السعادة غافلة، وزجر بماضي عزمه نفوسًا كانت إلى الشر فازعة، فتألف حزب الله رويدًا رويدًا حتى فتحت مكة المكرمة، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، وما أكمل الله الدين، وطوى بساط الوحي بوفاة خاتم النبيين، حتى نبت في مهابط الحكمة الإلهية رجال عرفوا السعادتين: الدنيوية، والأخروية، وأتقنوا علم السياستين: الحربية، والمدنية، فقاموا بتلك الفتوح التي رفعوا بها لواء العدل، وأقاموا بها قاعدة المساواة، وأطلقوا ريح الحرية يتنسمها الضعفاء والأقوياء على سواء.
ساد الإِسلام في البلاد، وتفيأت ظلاله في الأغوار والأنجاد، والباحث في التاريخ بإنصاف يشهد أن تلك السيادة كانت تقوى وترسخ في الممالك على قدر استضاءة الأمة بعلوم الدين، وعملها بنصائحه، وتحليها بآدابه.
ضعف المسلمون بعد تلك القوة، وانحدروا بعد الصعود، واستخف بهم أعداؤهم بعد أن كانت مهابتهم تملأ الصدور، فوقعوا فيما ترونه بأعينكم، وتسمعونه بآذانكم.
وكان من سنة الأمم التي تصعد إلى ذروة العز والمجد، ثم تنحط إلى درك الهون والخمول: أن تقوم طوائف منها يبحثون عن علة ضعفها وانحدارها، ثم ينظرون في الوسيلة التي تعيد إليها شباب مجدها، وتملأ الصدور بمهابتها.
قامت طوائف يرمون بخطبهم وأقلامهم إلى هذا الغرض، فمنهم المصيبون، ومنهم المخطئون، ولا أريد بسط القول في بيان من أصابوا منهم ومن أخطؤوا، بل أختصره اختصارًا، فأقول:
وجد بين الباحثين عن علة ضعفنا واستضعافنا طائفة اهتدت إلى أن العلة هي انصرافنا عن نصائح الكتاب العزيز، ونكث أيدينا من الاعتصام بشرعه،