آخر، فقال المكاري لزميله: إني حضرت اليوم في درس الشيخ فلان قولَ ابن عباس: إن الاستثناء في الحلف -ولو بعد سنة- جائز، وأرى ذلك خطأ؛ فإن الله تعالى يقول: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44] ، ولو كان الاستثناء جائزًا، لقال له: استثن في يمينك. فقال الفقيه: بلد يكون المكاري فيه بهذه الدرجة من العلم لا أخرج منه!
ويمكن أن يجاب عما روي عن ابن عباس: بأن الاستثناء خاص بالتشريع الإسلامي، ولم يكن معروفًا في شريعة أيوب.
ويعتبر في اليمين: قصدُ الحالف إن حلف من تلقاء نفسه، أما إن طلب منه أحد الحلفَ على أمر، فحلفه، يكون على قصد محلِّفه، فإذا قصد الحالف غير ما يريده المحلِّف، فلا نظر لقصده، واليمين منعقدة.
أما تغليظ اليمين في الدعوى - والتغليظ هو: تخويف الحالف من عاقبة حلفه بجعله في بعض الأماكن المقدسة مثلًا -، فلم يرد فيه إلا ما رواه جابر بن عبد الله من قوله - عليه السلام:"من حلف على منبري آثمًا، تبوأ مقعده من النار".
ومن الفقهاء من قاس على منبر الحرم النبوي غيرَه من منابر المساجد، وهذا القياس قريب.
ومنهم من قصر التغليظ في الحلف على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأبي حنيفة، ورأى القياس عليه غير وجيه، واقتصر على تحليف المدعى عليه بين يدي القاضي فقط.
وكنت أرى القاضي المالكي في تونس يرسل مع المطلوب لليمين أحد أعوانه إلى جامع الزيتونة، ويحلف بالموضع الذي فيه نسخة من