عن الإنسان وجوب العمل في سبيل الدفاع عن الدين. فقلت: نحن متفقون على الأصل، وهو أن للسن البالغة حكمًا نافذًا لا يمكن معارضته، ولكن العمل في سبيل الدين معقود بالإمكان، وباب الإمكان لا يزال مفتوحًا، فالاتفاق على تحقيق الأصل لا يوجب الاتفاق على كل جزئي من جزئياته.
وكان أستاذ أساتذتنا في بلاد الجريد بتونس الشيخ المدني بن عزوز إذا سئل عن حكم واقعة، ووجد في كتب الفقه ما يطابق الحكم، أفتى به، وإذا لم يجد لذلك نصًا، استنبط له حكمًا من القواعد المقررة في المذهب، وكذلك كان شيخنا الشيخ محمد النجار (بتونس) إن وجد للمسالة نصًا من الفقهاء، أفتى به، وإن لم يجد نصًا، أجرى عليها القواعد التي تلائمها.
وذكر القواعد عند ذكر الحكم ينفع المقلد أيضًا، فالمسألة المنتظمة في سلك وثيق مع غيرها، ترسخ في نفسه كثر من المسائل المجردة عن القواعد، وكنت أقرأ الأحكام الفقهية في كتب مجردة من القواعد، ولما اطلعت على الأحكام مصحوبة بقواعدها، صرت أتمتع بها أكثر من قبل، وأحفظها في ذهني أكثر من الأحكام المجردة، فإذا عرف المكلف من الفقيه الفائق علمًا وعدالة: أن دعوى النسخ في الآية والحديث لا تقبل إلا بدليل، حصلت له فائدة، وإذا عرف: أن الحكم في المسألة مبني على قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) ، وذكر له أشياء تشملها القاعدة، ازداد رسوخا في الحكم، واتسعت دائرة فهمه أكثر من قبل.
فمن يدرس أحكام الشريعة بقواعدها يزداد رسوخًا في فهمها، ويراها رأي البصير كيف كانت أحكم شرع وضع للناس.