وقد يقابلون هذه الآراء بعقوبة القتل؛ كما قتل عبد الملك بن مروان معبدًا الجهني، وهو أول من ظهر بإنكار القدر، وبعث هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار كتابًا يأمره فيه بقتل جهم بن صفوان إن ظفر به [1] ، وكذلك قتلُ خالد القسري للجعد بن درهم كان في عهد هشام، والاعتزال ظهر في عهد الدولة الأموية، ولكن الأمر الذي ظهر به واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد؛ كنفي الإيمان عن صاحب الكبيرة، أو الطعن في بعض الصحابة، فقد قال مثله فرق من قبلهم، ولم يتعرض لهم الأمويون بأذى، إلا أن ينزعوا إلى الخروج على الخلافة.
وعندما جاءت الدولة العباسية، كان بعض المعتزلة مقربًا عند بعض الخلفاء؛ مثل: عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة؛ فإنه كان صديقًا لأبي جعفر المنصور قبل الخلافة. ولما ولي أبو جعفر الخلافة، قرّبه، ولكن عمرو بن عبيد كان آخذًا بمذهب الزهد، ومجاهرة الأمراء بإنكار الظلم، وإسداء النصيحة من غير أن ينزع إلى الخروج عليهم.
ثم إن البرامكة في عهد الرشيد كانوا يعقدون مجالس للمناظرة، واختاروا له طائفة من المعتزلة، منهم: أبو الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار، والنظام، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن حرب، وثمامة بن الأشرس [2] .
واتصل المعتزلة بالخلفاء؛ كالمأمون، والمعتصم، والواثق، فكان من أسباب انتشار الاعتزال: اتصال رؤسائه برجال الدولة، وسمو مكانتهم عندهم،
(1) وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قرأت هذا في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار عامل خراسان، ولكن جهمًا قتل بعد عهد هشام كما سلف.
(2) "القواصم والعواصم"لابن العربي.