وتمسك أولئك الخلفاء بمذهبهم، وأخبار هؤلاء الخلفاء الثلاثة في دعوة الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحان المعتصم والواثق لعلماء السنة بهذه المسألة معروفة عند كل طالب علم [1] .
وهناك سبب آخر هو: أن رجالًا من هذه الفرقة درسوا الفلسفة، وألّفوا في الرد على الدهريين والملاحدة والثنوية على طريقة النقد الفلسفي، ومثل هذا العمل قد يحمل كثيرًا من الناس على حسن الظن بهم، والثقة بآرائهم، ولم يقم بهذا العمل - أعني: الرد على المخالفين من طريق البحث الفلسفي - غيرُهم من الفرق، وإنما ظهر عندما نشأ الأشعري نشأتهم، وأخذ يرد مذاهبهم ومذاهب غيرهم من الفرق على طريقة الجدل المعروفة عندهم بعد التمسك بالدليل السمعي من كتاب أو سنة.
وكان للمعتزلة نشاط في الدعوة إلى مذهبهم، شأن أصحاب كل مذهب أو نحلة جديدة، خصوصًا صاحب مذهب يرى أنه ملكَ من قوة الجدل والبراعة في صناعة الكلام ما لم يملكه غيره، ويكفيك شاهدًا على قوة اهتماهم بنشر مذهبهم: أنهم لم يكتفوا بالدعوة إليه على طريق الجدل، بل سعوا لدى الخلفاء ليحملوا الناس على آرائهم بالقوة.
ونرى في التارلخ: أن مذهب الوصيلة من المعتزلة ظهر بالمغرب الأقصى، وأن فريقًا منهم كانوا بنواحي"تاهرت"لايقلون عن ثلاثين، وقيل: أربعين ألف مقاتل، ودارت بينهم وبين عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي المتوفى
(1) امتحان أحمد بن حنبل كان في أيام المعتصم، وامتحان البويطي صاحب الشافعي في أيام الواثق حتى مات في أقياده محبوسًا ثابتًا صابرًا.