قوله: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}
أي ريح الجنة من قميص يوسف، فالإضافة لأدنى ملابسة، وهذا دليل على أن كل سهل فهو في مدة المحنة صعب، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل، حيث وصل إليه ريح القميص من المكان البعيد، عند انقضاء مدة الفراق، ومنع من وصول خبره إليه، مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى، في تلك المدة العظيمة، ومن ذلك قول العارف بن الفارض رضي الله عنه:
أعوام إقباله كاليوم في قصر…ويوم إعراضه في الطول كالحجج
قوله: (أوصلته إليه الصبا) هي ريح تهب من مطلع الشمس.
«إن قلت» : إن ريح الصبا تقابل الذاهب من مصر إلى الشام، فإذا كانت تقابله، فكيف تحمل الريح من القميص الذي معه إلى جهة الشام، فمقتضى العادة أن التي حملت هي الدبور، لأنها هي التي تذهب من جهة مصر إلى الشام؟
أجيب: بأن هذا خرق عادة، أو يقال إن هذا ظاهر إذا كانت حملته لمقابلتها فقط، وأما ما حصل، فقد فاح شذاه على جميع الدنيا، ولذا قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة في ذلك القميص، وحينئذ فحمل الصبا لريحه ظاهر، لأنها لم تحمل ريحه ليعقوب فقط، بل حملته لأهل الدنيا، وقد بالغ الناس في مدح الصبا، حتى قال بعض الحكماء: لو توالت على الأرض سبعة أيام لأنبتت الزعفران، وقال بعضهم مادحاً لها:
أيا جبلي نعمان بالله خليا…نسيم الصبا يخلص إليَّ نسيمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت…على نفس مهموم تجلت همومها
أجد بردها أو تشف مني حرارة…على كبد لم يبق إلا رسومها
قوله: (أو أكثر) قيل عشرة وقيل شهر. قوله: {لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} أن وما دخلت عليه، في تأويل مصدر مبتدأ خبره محذوف وجوباً، وجواب لولا محذوف أيضاً، وتقدير الكلام: لولا تفنيدكم لي موجود لصدقتموني، والتفنيد هو تضعيف الرأي.