أي كالتهليل والتحميد، وإنما قال بالصلاة لأن الذكر إما باللسان أو الجوارح أو بالجنان، ولا شك أن الصلاة جامعة لكل ذكر، فالقراءة والتكبير والتسبيح والدعاء ذكر لساني، والركوع والسجود ذكر بالجوارح والخشوع والخضوع والمراقبة ذكر قلبي، قوله: أي خاليًا وبعيدًا عن الخلق، قوله: (ذكرته في نفسي) أي أعطيه عطايا لا يعلمها غيري، قوله: (ومن ذكرني في ملإ) أي بين الناس، قوله: (ذكرته في ملإ) أي أعطيته عطايا ظاهرة لعبادي وأظهر فضله لهم،
«إن قلت» : إن الإنسان قد يذكر الله بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كالصحابة فأي ملأ خير من النبي؟ قلت: أجيب بأن الشيء يشرف بما نسب إليه، فإن المجلس ينسب لكبيره وفرق بين حضرة الله وملائكته، وبين حضرة النبي وأصحابه، وأيضًا كون النبي في حضرة الله اشرف من نفسه في حضرة أصحابه، فمعنى قوله خير من ملئه ذكرته في حضرة النبي والملائكة المقربين في الملأ الأعلى، ولا شك أن تلك الحضرة لا يعدلها شيء أبدًا، والملأ بالقصر الجماعة الأشراف.
وقيل معنى اذكروني تذللوا لجلالي، أذكركم أكشف الحجب عنكم وأفيض عليكم رحمتي وإحساني وأحبكم وأرفع ذكركم في الملأ الأعلى لما في الحديث:
"ومن تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا"
وفي الحديث أيضًا"إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه"فيحبه جبريل، ثم ينادى في السماء إن الله يجب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض"وهذا من جملة الثمرات المعجلة، وأما المؤجلة فرؤية وجهه الكريم ورفع الدرجات وغير ذلك وينبغي للإنسان أن يذكر الله كثيرًا لقوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} ."