فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 618

{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً}

أي قل يا محمد لأمتك: لا أطلب منكم أجراً في نظير تبليغ الرسالة وتبشيري اياكم؛ ولا خصوصية له صلى الله عليه وسلم بذلك، بل جميع الأنبياء لا يسألون الأجرة، لأن سؤال الأجرة على الأمور الأخروية، نقص في حق غير الأنبياء فأولى الأنبياء.

قوله: {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

اختلف المفسرون في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال، الأول عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وسط النسب من قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، وكان له فيهم قرابة، فقال الله عز وجل: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى: إن لم تتبعوني، فاحفظوا حق القربى، وصلوا رحمي، ولا تؤذوني، يعد عليكم نفعها، لما في الحديث:"الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني"فثمرته عائدة عليهم لا على النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني عنه أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، لم يكن في يده سعة فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم، وهو ابن أختكم، وأجاركم في بلدكم، فلجمعوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم، ونزلت الآية، وحينئذ فالخطاب للأنصار. الثالث عن الحسن: أن معناه إلا أن تجعلوا محبتكم ومودتكم محصورة في التقرب إلى الله بطاعته وخدمته لا لغرض دنيوي، فالقربى على الأول القرابة بمعنى الرحم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، على الثالث بمعنى القرب والتقرب، واعلم أن طلب الأجر على التبليغ لا يجوز لوجوده، الأول: تبري الأنبياء جميعاً منه. الثاني: أن التبليغ واجب، وطلب الأجرة على أداء الواجب لا يليق بأفراد الأمة فضلاً عن الأنبياء. الثالث: أن النبوة أمر عظيم، والدنيا وإن عظمت حقيرة، لا تزن جناح بعوضة، ولا يليق طلب الخسيس في دفع الشريف، وغير ذلك،

«إن قلت» : حيث كان الأمر كذلك، فما معنى الاستثناء في الآية؟

أجيب بجوابين، الأول: أن هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، على حد قول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم…بهن فلول من قراع الكتائب

فالمعنى: لا أطلب إلا هذا، وهو في الحقيقة ليس بأجر، لأن المودة بين المسلمين واجبة، خصوصاً في حق أشرافهم، وحينئذ فيكون الاستثناء متصلاً بالنظر للظاهر.

الثاني: أن الاستثناء منقطع كما قال المفسر، وحينئذ فالكلام تم عند قوله: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} ثم قال: {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} أي أذكركم قرابتي، والمراد بقرابته قيل: فاطمة وعلي وابناهما، وقيل: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، لما"روي عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إني تارك فيكم ثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، وقيل: هم الذين تحرم عليهم الزكاة، وقيل: غير ذلك،"فتحصل أن الخطاب على القول الأول لقريش، وعلى الثاني للأنصار، والعبرة بعموم اللفظ، لأن رحم النبي، رحم لكل مؤمن، لقوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] فمحبة أهل البيت، فيها السعادة والسيادة، دنيا وأخرى، والمرء يحشر مع من أحب، وقوله: {فِي الْقُرْبَى} الظرفية مجازية.

والمعنى: إلا المودة العظيمة المحصورة في القربى، وإنما لم يعدها باللام لئلا يتوهم زيادة اللام، فيكون الكلام خالياً من البلاغة، فالتعبير بفي للمبالغة، إشارة إلى أنهم جعلوا محلاً للمودة، وهم لها أهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت