فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 618

قوله: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً}

اعلم أن الغيبة ثلاثة أوجه في كتاب الله تعالى: الغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان فهو أن تقول فيه ما ليس فيه، وقيل: إن كلا يطلق على كل وهو المشهور.

-واعلم - أن هذه الأمور المتقدم ذكرها كبائر تحتاج لتوبة، وهل تفتقر لاستحلال المغتاب ونحوه أو لا؟ فقال جماعة: ليس عليه الاستحلال، بل يكفيه التوبة بينه وبين الله، لأن المظلمة ما تكون في النفس والمال، ولم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، وقال جماعة: يجب عليه أن يستغفر لصاحبها، لما ورد عن الحسن: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته، وقال جماعة: عليه الاستحلال منها ولو إجمالاً، ويستثنى من الغيبة المحرمة سبعة أمور نظمها بعضهم بقوله:

تظلم واستغث واستفت حذر…وعرف بدعة فسق المجاهر

قوله: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ} الخ، تمثيل لما يناله المغتاب من عرض ما اغتابه على أقبح وجه، وإنما مثله بهذا، لأن أكل لحم الميت حرام في الدين، وقبيح في النفوس.

قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.

قوله: (لا يحسن به) تفسير لميتاً، وقوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري.

قوله: {فَكَرِهْتُمُوهُ} الضمير عائد على الأكل المفهوم من {يَأْكُلَ} .

قوله: (أي فاغتابه في حياته) الخ، في هذا التمثيل إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه ودمه، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض عرضه، كما يتألم جسمه من قطع لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الإنسان، لم يحسن منه قرض عرضه، بالأولى.

قوله: (قابل توبة التائبين) يشير به إلى أن المبالغة في تواب، للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، لأنه ما من ذنب إلا ويعفو الله عنه بالتوبة إذا استوفيت شروطها. واعلم أن تعالى ختم الآيتين بذكر التوبة فقال {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] وقال هنا {إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله:

{لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} [الحجرات: 11] ذكر النفي الذي هو قريب من النهي، وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله: {اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ} ذكر الإثبات الذي هو قريب من الأمر تأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت