هذا مدح عظيم وتفضيل من الله لهذه الأمة المحمدية، وفيه إعلام بتثبيتهم على تلك الأوصاف العظيمة، واعلم أن المخاطب مشافهة الصحابة وثبتت لهم هذه الصفات المرضية فمدحهم الله على ذلك، ومن تمسك بأوصافهم وأخلاقهم كان ممدوحاً مثلهم، وهذا المدح يدل على أن أوصافهم مرضية لله، فشرفهم الله بشرف نبيهم، قال صاحب البردة:
لما دعا الله داعياً لطاعته…بأشرف الرسل كنا أكرم الأمم
وقال في الهمزية:
ولك الأمة التي غبطتها… بك لما أتيتها الأنبياء
ومدحهم الله سابقاً بقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الآية، وبالجملة فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق على الإطلاق، وأمته أفضل الأمم على الإطلاق، و (كان) فعل ناقص يفيد الاتصاف في الماضي، لكن المراد هنا الدوام على حد (وكان الله غفوراً رحيماً) والتاء اسمها وخير خبرها، قوله: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} صفة لأمة.
قوله: (في علم الله) أي وقيل في اللوح المحفوظ، وقيل في كتب الأمم السابقة.
قوله: {لِلنَّاسِ} إنما عير عبر اللام دون من، إشارة إلى أن هذه الأمة نفع ورحمة لنفسها وللخلق عموماً، في الدنيا بالدعاء لجميع الأمم، وفي الآخرة بالشهادة للأنبياء.
قوله: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} إما خبر بعد خبر لكان، والمقصود منه تفصيل ما أجمل أولا، أو صفة لمعنى الخيرية، أو استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ما أوجه الخبرية، وراعى في الخطاب لفظ كنتم، ولو راعا الخبر لقال يأمرون، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، واختيرت صيغة الخطاب تشريفاً لهم وإشارة إلى رفع الحجب عنهم، حيث خاطبهم ولم يخبر عنهم وأنهم مقربون من حضرة الله.
«إن قلت» : إن الإيمان هو الأصل فلم يقدم؟
أجيب بأنه غير مخصوص به، وإنما الفضل الثابت لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه الأمة لها شبه بالأنبياء من حيث إنها مهتدية في نفسها هادية لغيرها.