قوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
أي من فوض أمره إليه كفاه ما أوهمه، والأخذ في الأسباب لا ينافي التوكل، لأنه مأمور به، لكن لا يعتمد على تلك الأسباب.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} فلا بد من إنفاذ مراده، حصل من الشخص توكل أم لا، لكن من توكل يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً.
قوله: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}
أي تقديراً لا يتعداه، ولو اجتمعت جميع الخلائق على أن لا يتعدوه لا يقدرون، وهذه الآية تستعمل لدفع كرب الدنيا والآخرة، لما ورد في الحديث:
"إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} "
فما زال يقرؤها ويعيدها.
وورد أيضاً:"من انقطع إلى الله، كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحستب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، ومعنى انقطع إلى الله، أنه إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله، فإنه يفتح الله عليه أن كان ذا ضيق، ويرزقه من حيث لا يحتسب".
وورد أيضاً:"من أكثر من الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب".
(لطيفة)
ذكر الأجهوري في فضائل رمضان حكاية مناسبة للمقام، وهي أن قوماً ركبوا البحر، فسمعوا هاتفاً يقول: من يعطني عشرة آلاف دينار، حتى أعلمه كلمة إذا أصابه غم أو أشرف على هلاك فقالها، انكشف ذلك عنه، فقام من أهل المركب رجل معه عشرة آلاف دينار فصاح: أيها الهاتف أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وعلمني، فقال: ارم بالمال في البحر فرمى به، فسمع الهاتف يقول: إذا أصابك هم أو أشرفت على الهلاك فاقرأ {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} إلى آخر الآية، فقال جميع من في المركب للرجل: لقد ضيعت مالك، فقال: كلا إن هذه لفظة ما أشك في نفعها، قال: فلما كان بعد أيام، كسر بهم المركب، فلم ينج منهم غير ذلك الرجل، فإنه وقع على لوح وطرحه البحر على جزيرة، قال: فصعدت أمشي فيها، فإذا بقصر منيف فدخلته فإذا فيه كل ما يكون في البحر من الجواهر وغيرها، وإذا بامرأة لم أر قط أحسن منها، فقلت لها: من أنت؟ وأي شيء تعملين ههنا؟ قالت: أنا بنت فلان التاجر بالبصرة، وكان أبي عظيم التجارة، وكان لا يصبر عني ساعة، فسافر بي معه في البحر، فانكسر مركبنا فاختطفت حتى حصلت في هذه الجزيرة، فخرج إلي شيطان من البحر، فتلاعب بي سبعة أيام من غير أن يطأني، إلا أنه يلامسني ويؤذيني ويتلاعب بي، ثم ينظر إليَّ ثم ينزل في البحر سبعة أيام، وهذا يوم موافاته، فاتق الله في نفسك واخرج قبل موافاته، وإلا أتى عليك، فما انقضى كلامها حتى رأيت ظلمة هائلة فقالت: قد والله جاء وسيهلكك، فلما قرب مني وكاد يغشاني قرأت الآية، فإذا هو خر كقطعة جبل، إلا أنه رماد محترق، فقالت المرأة: ملك والله وكفيت أمره، ومن أنت يا هذا الذي منّ الله عليَّ بك؟ فقمت أنا وهي، فانتخبنا ذلك الجواهر، حتى حملنا كل ما فيه من نفيس وفاخر، ولزمنا الساحل نهارنا، فإذا كان الليل رجعنا إلى القصر، قال: وكان فيه كل ما يؤكل فقلت لها: من أين لك هذا؟ قالت: وجدته ههنا، فلما كان بعد أيام، رأينا مركباً بعيداً، فلوحنا إليه فدخل فحملنا، فسرنا يسيراً إلى البصرة، فوصفت لي منزل أهلها فأتيتهم فقالوا: من هذا؟ قلت: رسول فلانة بنت فلان، فارتفعت الناعية فقالوا: يا هذا لقد جددت علينا مصابنا، فقلت: اخرجوا فخرجوا، فأخذتهم حتى أتيت بهم إلى ابنتهم، فكادوا يموتون فرحاً، وسألوها عن خبرها، فقصته عليهم وسألتهم أن يزوجوني بها ففعلوا، وجعلنا ذلك الجواهر رأس مال بيني وبينها، وأنا اليوم أيسر أهل البصرة، وهؤلاء أولادي منها، انتهى.