قوله: (ونزل فيمن رفع صوته) الخ، كأبي بكر وعمر في القصة المذكورة، كما أن قوله: (ونزل فيمن كان يخفض صوته عند النبي) أي كأبي بكر وعمر، حين بلغهما النهي عن رفع الصوت، فصار يخفضان صوتهما عند النبي، كما أن قوله: (ونزل في) الخ، هم بنو تميم الذين تكلم في شأنهم أبو بكر وعمر، فتلخص أنه لما اختلف أبو بكر وعمر في تأمير الأمير على الوفد المذكور، ولم يصبرا حتى يكون رسول الله هو الذي يشير بذلك، نزل قوله: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية، ولما رفعا أصواتهما في تلك القضية، نزل قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ} الآية، ولما خفضا أصواتهما بعد ذلك نزل {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} الآية، ولما نادى الركب المذكور النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات نزل {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ} [الحجرات: 4] الآيتين.
قوله: (إذا نطقتم) أي تكلمتم، وقوله: (إذا نطق) أي تكلم.
قوله: {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ} لما كانت هذه الجملة كالمكررة مع ما قبلها، مع أن العطف يأباه، أشار المفسر إلى أن المراد بالأول، إذا نطق ونطقتم، فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم حداً يبلغه صوته، بل يكن كلامكم دون كلامه، والمراد بالثاني أنكم إذا كلمتموه وهو صامت، فلا ترفعوا أصواتكم، كما ترفعونها فيما بينكم.
قوله: (ناجيتموه) أي كلمتموه وهو صامت.
قوله: (بل دون ذلك) راجع لكل من النهيين، أي بل اجعلوا أصواتكم دون صوته، ودون جهر بعضكم لبعض، وقوله: (إجلالاً له) تعليل لما تضمنه قوله: (بل دون ذلك) .
قوله: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} أي يبطل ثوابها، وقوله: {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} أي بحبوطها.
قوله: (أي خشية ذلك) أشار إلى {أَن تَحْبَطَ} على حذف مضاف، أي خشية الحبوط، والخشية منهم وقد تنازعه، لا ترفعوا ولا تجهروا، فيكون مفعولاً لأجله، والعامل فيه الثاني أو الأول.
قوله: (بالرفع والجهر) الباء سببية متعلقة باسم الإشارة، لأنه واقع على الحبوط، فكأنه قال: أي خشية الحبوط بسبب الرفع والجهر، لأن في الرفع والجهر استخفافاً بجانبه، فيؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم له قصد الإهانة وعدم المبالاة. روي أنه لما نزلت هذه الآية، قعد ثابت في الطريق يبكي، فمر به ابن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في، وأنا رفيع الصوت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلب ثابتاً البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي سلول فقال لها: اذهب فادعه لي، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرش فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: اكسر الضبة، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره قال: فادعه لي، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرش فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: اكسر الضبة، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يبكيك؟ فقال: أنا صيّت، وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً، فأنزل الله {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} الآية، قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت من المسلمين بعد انكسار، وانهزمت طائفة منهم، قال: أف لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا، ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: اعلم أن فلاناً رجل من المسلمين، نزع درعي فذهب بها، وهي في ناحية من العسكر، عند فرس يستن في طيله، وقد وضع على درعي برمة، فائت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعي، وائت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قل له: إن علي ديناً حتى يقضي عني، وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالداً، فوجد الدرع والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيته، قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه.
قوله: (فيمن كان يخفض صوته) أي مخالفة النهي السابق، وإجلالاً وتعظيماً.
قوله: (كأبي بكر وعمر) الخ، أي فكان الجميع يخفضون أصواتهم عند رسول الله، إجلالاً له وتعظيماً.