إن ابن عمك خالف سيرتك في العدل، وإنما كان"أرياط"عبدك وأنا عبدك، اختلفنا في أمرك، فكل طاعته لك، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه، وقد بلغني ما حلفت عليه، وقد بعثت إليك بجرابين من تراب السهل والجبل، فطأهما برجلك، وجز ناصيتي بيدك، وأهرق دمي بكفك، وبر يمينك، وأطف غضبك عني، فإنما أنا عبد من عبيدك.
فأعجب النجاشي عقل أبرهة، وأقره على مكانه، وبقي إلى زمان كسرى"نوشروان"، ونظر يوما إلى حجاج اليمن يتجهزون أيام الموسم للحج إلى بيت الله الحرام، فسأل: أين يذهب الناس؟ فقالوا: يحجون بيت الله بمكة. قال: وما هو؟ قالوا: من حجارة. قال: وما كسوته؟ قالوا: ما يأتي من هاهنا الوصائل. قال: والمسيح، لأبنين لكم خيرا منه.
وفي رواية فقال: أنا أكفيكم هذا السفر البعيد ببيعة أبنيها، تحجون إليها. فبنى كنيسة بـ"صنعاء"يقال لها:"القليس"بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاه بالذهب والفضة، وفصص حيطانها بصنوف الجوهر.
قيل: إنه نقل إليها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب، من قصر بلقيس، وكان منها على فراسخ.
جعل"أبرهة"الرجال صفا نسقا يناول بعضهم بعضا الحجارة والآلة، حتى نقل ما كان يحتاج إليه، وكان أراد أن يرفع من شأنها حتى يشرف منها على"عدن"، فبناها بناء مربعا مستوي التربيع، وجعل طوله في السماء ستين ذراعا، وكبسه من داخل عشرة أذرع في السماء، فكان يصعد إليه بدرج الرخام، وجعل حوله سورا بينه وبين"القليس"مائتا