أنهم تركوها على حالها ينشأ ناشئ من أهل المدينة, ويقدم القادم من الأفق فبرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها - يعني: في الدنيا.
قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: كان فيها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد, وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها, على أبوابها مسوح الشعر, ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع والعظم أو أدنى من العظم.
فأما ما ذكر من كثرة البكاء يومئذ, فلقد رأيتني في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن, وأبو أمامة بن سهل بن حنيف, وخارجة بن زيد بن ثابت, وإنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع, وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرون ما رضي الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
وقال حماد بن إسحاق: حدثنا أحمد بن المعدل, عن محمد بن (مسلمة) , عن مالك بن أنس, أنه قال: رأيت بعض أهل العلم يقولون: وددنا أنهم كانوا لما بنوا مسجد المدينة وأحاطوا الحائط على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا (تركوا) أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم التسع حتى يراها الناس قد اتخذت بالجريد والمسوح فيعتبرون بذلك, ويقولون: هذا أكرم الخلق على الله عز وجل رضي من الدنيا بهذا.