وما كفى هذا؛ لأنه لما حبس تفرق أتباعه وتفرقت كتبه وخوفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه فذهب كل أحد بما عنده وأخفاه ولم يظهروا كتبه فبقي هذا يهرب بما عنده وهذا يبيعه أو يهبه وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد فلا يستطيع أن يطلبها ولا يقدر على تخليصها وبدون هذا تمزق الكتب والتصانيف. ولولا أن الله تعالى لطف وأعان ومنَّ وخرق العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه لما أمكن لأحد أن يجمعها. وقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه وجمعها وإصلاح ما فسد منها ورد ما ذهب منها ما لو ذكرته لكان عجبًا يعلم به كل مصنف أن لله عناية به وبكلامه لأنه يذب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". انتهى كلام ابن عبد الهادي - رحمه الله -."
هذا ونحن نحاول - إن شاء الله - أن نقدم للقارئ الكريم بعض الأضواء من فتاوى هذا الإمام الجليل بما نقتبسه من مضامينها وما نقتطفه من ثمارها اليانعة، وما نشمه من أزهارها العطرة ليصل شيء من فوائدها إلى من لم يطلع عليها؛ لأن هذا من نشر العلم ومن التعاون على البر والتقوى، ونسأل الله لنا الإعانة على تحقيق هذه المهمة والتسديد فيما نقوله وننقله، إنه سميع مجيب.
ابتُدِيَ هذا المجموع (9) المبارك بخطبة بليغة للشيخ ابتدأها بحمد الله والثناء عليه بأسمائه وصفاته، وبما تفضل به على عباده من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وبما تكفل به سبحانه من حفظ كتابه وسنة رسوله من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ثم ثنَّى بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله.
ثم بيّن عظيم نعمة الله على عباده بإرسال رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وما قام به - صلى الله عليه وسلم - من تبليغ هذا الدين وهداية العالمين حتى طلعت شمس الإيمان وأدبر ليل البهتان، وعز جند الرحمن، وذل حزب الشيطان وظهر نور الفرقان، واشتهرت تلاوة القرآن، وأُعلن بدعوة الأذان، وقامت حجة الله على الإنس والجان.
ثم (10) بيّن - رحمه الله - أنه لا سعادة للعباد ولا نجاة لهم إلا باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الله خلقهم لعبادته ولا يمكن تحقيق العبادة إلا باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن كل عبادة ليست على سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي ضلال كما قال - صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (11)
وقال - صلى الله عليه وسلم: (من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) (12)
قال - رحمه الله - (13) :"وقد ذكر الله طاعة الرسول وأتباعه في نحو أربعين موضعًا من القرآن"، ثم ذكر جملة من هذه المواضع ثم قال (14) : فبمحمد - صلى الله عليه وسلم - تبين الكفر من الإيمان. وأهل الجنة من أهل النار. فالنفوس أحوج إلى معرفة ما جاء به واتباعه منها إلى الطعام والشراب؛ فإن هذا"يعني الطعام والشراب"إذا فات حصل الموت في الدنيا، وذاك"يعني معرفة ما جاء به الرسول"إذا فات حصل العذاب، فحقَّ على كل أحد بذل جهده واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته". ثم بيَّن - رحمه الله - أن"