ولا خارجه ولا تتحرك ولا تسكن، وأما الجمهور فيقرون بتحركها نحو المحبوب المطلوب كائنًا من كان.
إلى أن قال (114) -رحمه الله-: وأما حركة روح العبد أو بدنه إلى ذات الرب فلا يُقرّ به من كذب بأن الله فوق العرش، من هؤلاء المعطلة الجهمية الذين كان السلف يكفرونهم ويرون بدعتهم أشد البدع، ومنهم من يراهم خارجين من الثنتين والسبعين فرقة. مثل من قال: إنه في كل مكان وأنه لا داخل العالم ولا خارجه.
لكن عموم المسلمين وسلف الأمة وأهل السنة من جميع الطوائف تقر بذلك، فيكون العبد متقربًا بحركة روحه وبدنه إلى ربه من إثباتهم أيضًا التقرب منهما إلى الأماكن المشرفة، وإثباتهم أيضًا تحول روحه من حال إلى حال؛ فالأول مثل معراج النبي -صلى الله عليه وسلم- وعروج روح العبد إلى ربه وقربه من ربه في السجود وغير ذلك. والثاني مثل الحج إلى بيته وقصده في المساجد. والثالث: مثل ذكره ودعائه ومحبته وعبادته وهو في بيته، لكن في هذين يقرون أيضًا بقرب الروح أيضًا إلى الله نفسه، فيجمعون بين الأنواع كلها.
سئل الشيخ -رحمه الله- عمن يقول عن نصوص الصفات: إنها تدل على التجسيم! والعقل دل على تنزيه الباري عنه! فالأسلم للمؤمن أن يقول هذا متشابه به لا يعلم تأويله إلا الله؟ فأجاب (115) -رحمه الله- بقوله:
الحمد لله رب العالمين. هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر. اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين، من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية. فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية لما ظهر الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان، ومن اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات. فظهرت مقالة الجهمية النفاة؛ نفاة الصفات. قالوا: لأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم. والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك؛ لأن الصفات التي هي العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك أعراض ومعان تقوم بغيرها. والعرض لا يقوم إلا بجسم والله ليس بجسم؛ لأن الأجسام لا تخلو من الأعراض الحادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث. قالوا: وبهذا استدللنا عليه بحدوث الأجسام، فإن بطل هذا بطل الاستدلال بحدوث الأجسام؛ فيبطل الدليل على حدوث العالم فيبطل الدليل على إثبات الصفات. قالوا: وإذا كانت الأعراض التي هي الصفات لا تقوم إلا بجسم والجسم مركب من أجزائه، والمركب مفتقر إلى غيره، ولا يكون غنيًا عن غيره إلا واجب الوجود بنفسه، والله تعالى غني عن غيره واجب الوجود بنفسه،. . . إلى آخر ما ذكر الشيخ عنهم من الاعتراضات والافتراضات الفارغة، ثم قال (116) -رحمه الله- فلما ظهر هؤلاء الجهمية أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها وقابلوها بما تستحق من الإنكار الشرعي، وكانت خفية إلى أن ظهرت وقويت شوكة الجهمية في أواخر المائة الأولى، وأوائل الثانية في دولة أولاد الرشيد، فامتحنوا الناس المحنة المشهورة، التي دعوا الناس فيها إلى القول بخلق القرآن، ولوازم ذلك مثل إنكار الرؤية والصفات بناء على أن القرآن هو من جملة الأعراض؛ فلو قام بذات الله لقامت به الأعراض فيلزم التشبيه والتجسيم! وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين. فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة وعلى المشبهة الممثلة، وكان أبو الهذيل العلاف ونحوه من نفاة الصفات قالوا: يقتضي إثباتها أن