فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 400

هؤلاء وأن هذا هو الإسلام الذي عليه هؤلاء، وعلموا فساد هذا أظهروا قولهم بقدم العالم، واحتجوا بأن تجدد الفعل بعد أن لم يكن ممتنع، بل لا بد لكل متجدد من سبب حادث، وليس هناك سبب فيكون الفعل دائمًا. ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا فسادها وهو أنه إذا كان دائمًا، لزم قدم الأفلاك والعناصر. إلى أن قال -رحمه الله-:

والمقصود (102) أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم لم يكن الأمر كما قالوه، بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة.

ولهذا يوجد كثير ممن دخل في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين كابن عربي وابن سبعين وغيرهما، وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فإنهم يستنصرون ويستعينون بأولئك المبتدعين المتكلمين، ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله، فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عينًا.

ودعواهم أن هذه طريقة إبراهيم خليل الله في قوله: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] ؛ كذب ظاهر على إبراهيم؛ فإن الأفول هو التغيب والاحتجاب باتفاق أهل اللغة والتفسير، وهو من الأمور الظاهرة في اللغة، وسواء أريد بالأفول: ذهاب ضوء القمر والكواكب بطلوع الشمس أو أريد به سقوطه من جانب الغرب؛ فإنه إذا طلعت الشمس يقال: إنها غابت الكواكب واحتجبت، وإن كانت موجودة في السماء، ولكن طمس ضوء الشمس نورها، وهذا مما ينحل به الإشكال الوارد على الآية في طلوع الشمس بعد أفول القمر. وإبراهيم -عليه السلام- لم يقل: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] ؛ لما رأى الكوكب يتحرك والقمر والشمس، بل إنما قال ذلك حين غاب واحتجب؛ فإن كان إبراهيم قصد بقوله الاحتجاب بالأفول على نفي كون الآفل رب العالمين -كما ادعوه- كانت قصة إبراهيم حجة عليهم، فإنه لم يجعل بزوغه وحركته في السماء إلى حين المغيب دليلًا على نفي ذلك، بل إنما جعل الليل مغيبه، لكن الحق أن إبراهيم لم يقصد هذا، ولا كان قوله: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] ؛ أنه رب العالمين، ولا اعتقد أحد من بني آدم أن كوكبًا من الكواكب خلق السماوات والأرض، وكذلك الشمس والقمر، ولا كان المشركون قوم إبراهيم يعتقدون ذلك، بل كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب ويدعونها ويبنون لها الهياكل ويعبدون فيها أصنامهم.

وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك، وكانوا قبل ظهور المسيح -عليه السلام-، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال. . .، وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع، ولهذا قال لهم إبراهيم الخليل: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء] ، فعادى كل ما يعبدونه إلا رب العالمين. وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] ، وقال الخليل -عليه السلام-: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت