فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 400

تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات. فمن قال: لا أعقل علمًا ويدا إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: كيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته. فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضل في عقله ودينه. وما أحسن من قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك. فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته؟ ‍

بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء (3) وقد أخبر الله تعالى أنه: {تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] . وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) (4) فإذا كان نعيم الجنة - وهم خلق من خلق الله كذلك - فما ظنك بالخالق سبحانه وتعالى؟

وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى، مع أنا نقطع أن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوا من غير جنس البدن وصفاته. فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص فيكونون قد أخطئوا في اللفظ وأنى لهم بذلك، ولا نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلًا، أو صفة من صفات البدن والحياة. كما يقوله طوائف من أهل الكلام. بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن، وأنها ليست مماثلة له وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازًا. فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة، فكيف الظن بصفات رب العالمين؟

ويواصل الشيخ رحمه الله بيانه لأقسام الناس في صفات الرب سبحانه وتعالى فيقول: وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول قط هو صفة لله تعالى، وأن الله لا صفة له ثبوتية بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر، أو يثبتون الأحوال دون الصفات ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين فهؤلاء قسمان:

قسم: يتأولونها يعينون المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، أو غير ذلك من معاني المتكلمين.

وقسم يقولون: إن الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية.

وأما القسمان الواقفان فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم يمسكون عن هذا الكلام كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت