فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 400

الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الصافات] ، وكذلك قال سبحانه: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام] ، فأخبر أن التوالد لا يكون إلا عن أصلين؛ كما تكون النتيجة عن مقدمتين لا يكون شيء في هذا العالم إلا عن أصلين فأما الواحد وحده فلا يصدر عنه شيء ولا يتولد.

قال شيخ الإسلام (6) - رحمه الله - في إبطال قول المشركين والفلاسفة أن الملائكة بنات الله: فإن هؤلاء جعلوا لله شركاء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم. والجن: قد قيل إنه يعم الملائكة كما قيل في قوله: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] وإن كان قد قيل في سبب ذلك؛ زعمُ بعض مشركي العرب: إن الله صاهر إلى الجن فولدت الملائكة، فقد كانوا يعبدون الملائكة أيضًا، كما عبدتها الصابئة الفلاسفة؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف] ، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ] ، يعني أن الملائكة لم تأمرهم بذلك، وإنما أمرتهم بذلك الجن ليكونوا عابدين للشياطين التي تتمثل لهم كما يكون للأصنام شياطين. وكما تنزل الشياطين على بعض من يعبد الكواكب ويرصدها حتى تنزل عليه صورة فتخاطبه وهو شيطان من الشياطين، ولها قال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس] ، وقال: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] ، فهم وإن لم يقصدوا عبادة الشيطان وموالاته ولكنهم في الحقيقة يعبدونه ويوالونه فقد تبين أن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المبتدعة مؤمنون بقليل مما جاءت به الرسل في أمر الملائكة في صفتهم وأقدارهم. وذلك أن هؤلاء القوم إنما سلكوا سبيل الاستدلال بالحركات الفلكية والقياس على نفوسهم مع ما جحدوه وجهلوه من خلق الله وإبداعه. وسبب ذلك - أي: إيمانهم ببعض ما جاءت به الرسل - ما ذكره طائفة ممن جمع أخبارهم أن أساطينهم الأوائل كفيثاغورث وأفلاطون كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بعده من أصحاب داود وسليمان. وأن أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء ولم يكن عنده من العلم بأثارة الأنبياء ما عند سلفه، وكان عنده قليل من الصابئية الصحيحة فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية، وصارت قانونًا مشى عليه أتباعه، واتفق أنه قد يتكلم في طبائع الأجسام أو في صورة المنطق أحيانًا بكلام صحيح.

وأما الأولون"يعني من الفلاسفة"فلم يوجد لهم مذهب تام مبتدع بمنزلة مبتدعة المتكلمين في المسلمين، مثل أبي الهذيل وهشام بن الحكم ونحوهما ممن وضع مذهبًا في أبواب أصول الدين فاتبعه على ذلك طائفة، إذ كان أئمة المسلمين مثل مالك وحماد بن زيد والثوري ونحوهم إنما تكلموا بما جاءت الرسالة وفيه الهدى والشفاء. فمن لم يكن له علم بطريق المسلمين يعتاض عنه بما عند هؤلاء. وهذا سبب ظهور البدع في كل أمة، وهو خفاء سنن المرسلين فيهم وبذلك يقع الهلاك، ولهذا كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة.

قال مالك - رحمه الله: السنة مثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك، وهذا حق؛ فإن سفينة نوح إنما ركبها من صدق المرسلين واتبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذب المرسلين، واتباع السنة هو اتباع الرسالة التي جاءت من عند الله. فتابعها بمنزلة من ركب مع نوح السفينة باطنًا وظاهرًا، والمتخلف عن اتباع الرسالة بمنزلة المتخلف عن اتباع نوح - عليه السلام - وركوب السفينة معه، وهكذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت