فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 400

فمن قال من أهل الكلام: إنه - أي الله - لا يفعل الأشياء بالأسباب بل يفعل عندها لا بها، ولا يفعل لحكمة ولا في الأفعال المأمور بها ما لأجله كانت حسنة، ولا المنهي عنها ما لأجله كانت سيئة؛ فهذا مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة من السلف. وأول من قاله في الإسلام جهم بن صفوان الذي أجمعت الأمة على ضلاله؛ فإنه أول من أنكر الأسباب والطبائع كما أنه أول من ظهر عنه القول بنفي الصفات وأول من قال بخلق كلام الله وإنكار رؤيته في الآخرة، ونصوص الكتاب والسنة في إبطال هذا كثيرة جدًا كقوله: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء] ، فسلب النار طبيعتها. وقوله: {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا} [النبأ] ، وقوله: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا} [الأعراف: 57] ، فأخبر أن الرياح تقل السحاب؛ أي: تحمله. فجعل هذا الجماد فاعلة بطبعها. وقوله: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان: 10] ، وهو الكثير المنفعة. والزوج الصنف. والأدلة في ذلك كثيرة يخبر فيها أنه يخلق بالأسباب والحكم. وأخبر أنه قائم بالقسط وأنه لا يظلم الناس شيئًا فلا يضع شيئًا في غير موضعه ولا يسوِّي بين مختلفين ولا يفرِّق بين متماثلين. كما قال: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية: 21] ، وقال: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ} [ص: 28] ، وقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم] ، وقال: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ} [فاطر] الآية، وغير هذا كثير، وقوله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} [الأعراف: 157] الآية.

فدلت هذه الآية وغيرها على أن ما أمرهم به معروف في نفسه تعرفه القلوب فهو مناسب لها مصلح لفسادها. ليس معنى كونه معروفًا أنه مأمور به إذ هذا قدر مشترك. فعلم أن ما يأمر به الرسول مختص وما نهى عنه مختص بأنه منكر محذور، وما يحله مختص بأنه طيب وما يحرمه مختص بأنه خبيث. ومثل هذا كثير في القرآن وغيره من الكتب كالتوراة والإنجيل والزبور. والله - سبحانه وتعالى - أعلم. انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -.

ومقصوده به الرد على الذين ينكرون الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى وأوامره ونواهيه، ويقولون: إنه يفعل ويأمر وينهى بالمشيئة المجردة، وهذا القول ضلال وباطل؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - حكيم عليم يفعل ويأمر وينهى لحكمة بالغة قد تظهر لنا وقد لا تظهر، وأصحاب هذا القول يريدون الرد على القائلين إن الله يجب عليه فعل الأصلح! وكلا الطائفتين ضالة عن سواء السبيل، والحق ما دل عليه الكتاب والسنة في ذلك وغيره.

قال الشيخ (10) - رحمه الله: من الناس من يقول: البدع تنقسم قسمين لقول عمر: نعمت البدعة (11) ، وبأشياء أحدثت بعده - صلى الله عليه وسلم - وليست مكروهة للأدلة من الإجماع والقياس، وربما ضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس من العادة، بمنزلة من {إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [المائدة: 104] ، وما أكثر من يحتج به من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم، وقد يبدي ذوو العلم له مستندًا من الأدلة الشرعية، والله يعلم أن قوله لها وعمله بها ليس مستندًا إلى ذلك، وإنما يذكرها دفعًا لمن يناظره. والمجادلة المحمودة إنما هي إبداء المدارك التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار غير ذلك فنوع من النفاق في العلم والعمل. وهذه قاعدة دلت عليها السنة والإجماع مع الكتاب، قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله. وقد يغفر له لأجل تأويل إذا كان مجتهدًا الاجتهاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت