فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 400

ويُكثِّر العلمَ وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم. قالوا: ولا يكون إلا عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة.

قال ابن كثير:"قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم". انتهى.

وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث فلا يزال - والحمد لله - فضل الله على هذه الأمة يتوالى بظهور المجددين عند اشتداد الحاجة إليهم ومن هؤلاء المجددين الإمام أحمد بن حنبل في القرن الثالث، وشيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القرن السابع وأول الثامن، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، وغيرهم كثير وإنما ذكرنا هؤلاء كأمثلة.

وغرضنا في هذا الكتاب: أن نذكر ما استطعنا من مضامين فتاواه المتوفرة لدينا ليعم النفع بها - إن شاء الله - ولتصل فائدتها وخيرها إلى من لا يعلم شيئًا عنها، أو لم يستطع الحصول عليها، ولنزيل الشبه والتعتيم اللذين روج لهما أعداء السنة ضد هذا الإمام الجليل والمجدد الكبير عند من لم تتوفر له المعلومات الكافية عن هذا الإمام وعن علمه الصافي الغزير. فإن كثيرًا من خصومه وحاسديه قديمًا وحديثًا اختلقوا حوله الأكاذيب واتهموه زورًا وبهتانًا باتهامات كثيرة وكتبوا ضده كتابات شوهت التاريخ وسرَّت أعداء الإسلام (5) ، ولكن - والحمد لله - طوى النسيان ذكرهم ومحى الحق ما كتبوه من ضلال، وبقي ذِكْر شيخ الإسلام ذائعًا عطرًا في الأوساط العلمية وتتلمذ على كتبه الأفواج تلو الأفواج وأصبحت مؤلفاته نبراسًا وضاء لكل من يريد الحق في كل زمان، وصدق الله العظيم حيث يقول سبحانه: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17] ، قال الإمام الشوكاني (6) - رحمه الله:"يقول: إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه فإن الله سبحانه سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله؛ كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل". انتهى.

وهذا المثل العظيم ينطبق على شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مع خصومه: فإنهم حاولوا الظهور عليه واسْتَعدُوا عليه السلطة في وقته وضايقوه وكتبوا من التلبيس والتدليس ضده، ولكن سرعان ما نسف الحق الذي معه ما روجوه من الباطل وبقي علمه النافع في كتبه التي صار المسلمون - ولله الحمد - يتسابقون إلى نشرها وإحيائها، وعفا الزمان على كتب خصومه ونسيها الناس فأصبحت في زوايا الإهمال والامتهان، وهذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

هو شيخ الإسلام الحافظ المجتهد تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي.

ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة 667 ه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت