فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 400

وأما كونه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، ورآه في السماء أيضًا؛ فهذا لا منافاة بينهما؛ فإن الأرواح من جنس أمر الملائكة في اللحظة الواحدة تصعد وتهبط كالملك ليست في ذلك كالبدن , وهذه الصلاة ونحوها مما يتمته بها الميت ويتنعم بها كما ينعم أهل الجنة بالتسبيح؛ فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم الناس في الدنيا النفس.

هذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به. وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) (18) ؛ يريد به العمل الذي يكون له ثواب لم يرد به نفس العمل الذي يتنعم به؛ فإن أهل الجنة يتنعمون بالنظر إلى وجه الله ويتنعمون بذكره وتسبيحه ويتنعمون بقراءة القرآن، ويقال لقارئ القرآن: (اقرأ وارق) (19) ورتل كما كنت ترتل في الدنيا. فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها.

ويتنعمون بمخاطبتهم لربهم ومناجاته وإن كانت هذه الأمور في الدنيا أعمالًا يترتب عليها الثواب فهي في الآخرة أعمالًا يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله وشربه ونكاحه، وهذه كلها أعمال أيضًا. والأكل والشرب والنكاح في الدنيا مما يؤمر به ويثاب عليه مع النية الصالحة، وهو في الآخرة نفس الثواب الذي يتنعم به. والله أعلم.

فأجاب (20) أمّا الحديث المسئول عنه كونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم وقت الساعة؛ فلا أصل له، ليس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تحديد وقت الساعة نص أصلًا، بل قد قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 187] أي: خفي على أهل السماوات والأرض. وقال تعالى لموسى {إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: من الآية 15] قال ابن عباس وغيره (21) : أكاد أخفيها من نفسي فكيف أُطْلع عليها؟ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، وهو في مسلم من حديث عمرو: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل له: متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) (22) فأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ليس بأعلم بها من السائل، وكان السائل في صورة أعرابي ولم يعلم أنه جبريل إلا بعد أن ذهب. وحين أجابه لم يكن يظنه إلا أعرابيًا. فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قال عن نفسه: إنه ليس بأعلم بالساعة من أعرابي؛ فكيف يجوز لغيره أن يدعي علم ميقاتها؟ وإنما أخبر الكتاب والسنة بأشراطها وهي علاماتها وهي كثيرة.

ومن تكلم في وقتها المعين مثل الذي صنف كتابًا سماه:"الدر المنظم في معرفة الأعظم"، وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها، والذي تكلموا على ذلك من حروف المعجم، والذي تكلم عن"عنقاء مغرب"، وأمثال هؤلاء؛ فإنهم وإن كان لهم صورة عظيمة عند أتباعهم فغالبهم كاذبون مفترون، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم، وإن ادعوا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، وقد قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .

انتهى كلام الشيخ في هذه المسألة المهمة، ومعلوم أنه ليس مطلوبًا منا معرفة وقت قيام الساعة، وإنما المطلوب منا العمل والاستعداد لها. وقد كان المشركون يسألون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن وقت قيامها من باب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت