وقد ذكر الشيخ في"العقيدة الواسطية" (52) أن هذه المسألة ليست من المسائل التي يضلل المخالف فيها، فمن فضل عليًا على عثمان أو فضل عثمان على علي لم يضلل نظرًا لشهرة الخلاف فيها، وإنما التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة. فمن زعم أن عليًا أولى بالخلافة من عثمان فهو ضال؛ لمخالفته إجماع الصحابة على تقديم عثمان على علي ـ رضي الله عنهما ـ في الخلافة. فالخلفاء الراشدون على هذا الترتيب: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، قال الشيخ: ومن طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله. ومعاوية ـ رضي الله عنه ـ لم يقاتل عليًا لأنه يطعن في خلافته، وإنما قاتله مطالبًا بتسليم الذين قتلوا عثمان ـ رضي الله عنه ـ لإقامة القصاص منهم، وعلي ـ رضي الله عنه ـ لم يتمكن من تسليمهم لعدم استتباب الأمر له ليتمكن من تسليمهم.
والواجب علينا: الكف عما شجر بين الصحابة، والاعتذار لهم، وعدم التصديق بكل ما يروى من الأخبار في حقهم، رضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا بهم في جنات النعيم.
سئل الشيخ (53) ـ رحمه الله ـ عن إسلام معاوية بن أبي سفيان متى كان؟ وهل كان إيمانه كإيمان غيره؟
فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله: إيمان معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ ثابت بالنقل المتواتر وإجماع أهل العلم على ذلك، كإيمان أمثاله ممن آمن عام فتح مكة، مثل أخيه يزيد بن أبي سفيان، ومثل سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام، وأبي أسد بن أبي العاص بن أمية، وأمثال هؤلاء؛ فإن هؤلاء يسمون الطلقاء. فإنهم آمنوا عام الفتح وأطلعهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن عليهم وأعطاهم وتألفهم. وقد روي أن معاوية بن أبي سفيان أسلم قبل ذلك وهاجر كما أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحجبي؛ قبل فتح مكة وهاجروا على المدينة؛ فإن كان هذا صحيحًا فهذا - يعني معاوية - من المهاجرين، وأما إسلامه عام الفتح مع من ذكر فمتفق عليه بين العلماء. سواء كان أسلم قبل ذلك أو لم يكن إسلامه إلا عام الفتح. ولكن بعض الكذابين زعم أنه عير أباه بإسلامه، وهذا كذب بالاتفاق من أهل العلم بالحديث، وكان هؤلاء المذكورون من أحسن الناس إسلامًا وأحمدهم سيرة، ولم يتهموا بسوء ولم يتهمهم أحد من أهل العلم بنفاق كما اتهم غيرهم، بل ظهر منهم من حسن إسلامهم وطاعة الله ورسوله، وحب الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وحفظ حدود الله، ما دل على حسن إيمانهم في الباطن وحسن إسلامهم. منهم من أمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستعمله نائبًا له، كما استعمل عتاب بن أسيد أميرًا على مكة! والله لا يبلغني أن أحدًا منكم قد تخلف عن الصلاة إلا ضربت عنقه. وقد استعمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا سفيان بن حرب - أبا معاوية - على نجران نائبًا له وتوفي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو سفيان عامله على نجران، وكان معاوية أحسن إسلامًا من أبيه باتفاق أهل العلم؛ كما أن أخاه يزيد بن أبي سفيان كان أفضل منه ومن أبيه، ولهذا استعمله أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ على قتال النصارى حين فتح الشام، وكان هو أحد الأمراء الذين استعملهم أبو بكر الصديق ووصاه بوصية معرفة نقلها أهل العلم واعتمدوا عليها، وذكرها مالك في"المؤطأ"وغيره. (ومشي أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ في ركابه مشيعًا له. فقال له: يا خليفة رسول الله! إما أن تركب وإما أن أنزل! فقال: لست بنازل ولست براكب. احتسب خطاي هذه في سبيل الله عز وجل) (54)