فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 400

سئل شيخ الإسلام (6) ابن تيميه رحمه الله عن علو الله تعالى واستوائه على عرشه؟ فأجاب بقوله:

قد وصف الله تعالى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش والفوقية في كتابه في آيات كثيرة، حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عال على الخلق، وأنه فوق عباده. وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك. مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف: 206] ، {وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ} [الأنبياء: 19] ، فلو كان المراد بأن {عنده} كما يقول الجهمي في قدرته، لكان الخلق كلهم عنده فإنهم كلهم في قدرته ومشيئته، ولم يكن فرق بين من في السماوات ومن في الأرض ومن عنده. كما أن الاستواء على العرش لو كان المراد به الاستيلاء عليه، لكان مستويًا على جميع المخلوقات، ولكان مستويًا على العرش قبل أن يخلقه دائمًا.

والاستواء مختص بالعرش بعد خلق السماوات الأرض كما أخبر بذلك في كتابه فدل على أنه تارة كان مستويًا عليه وتارة لم يكن مستويًا عليه، ولهذا كان العلو من الصفات المعلومة بالسمع والعقل والشرع عند الأئمة المثبتة، وأما الاستواء على العرش فمن الصفات المعلومة بالسمع فقط دون العقل. والمقصود أنه تعالى وصف نفسه بالمعية والقرب. والمعية معيتان: عامة وخاصة، فالأولى في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، والثانية: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل] ، إلى غير ذلك من الآيات.

وأما القرب فهو كقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] ، وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} [الواقعة: 85] ، وافترق الناس في هذا المقام أربع فرق: فالجهمية النفاة الذي يقولون: هو لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته، بل الجميع عندهم متأول أو مفوض، وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرهم، إلا الجهمية فإنه ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي. ولهذا قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط: الجهمية خارجون عن الثلاث والسبعين فرقة. وهذا أعدل الوجهين لأصحاب أحمد ذكرهما أبو عبد الله بن حامد وغيره.

ثم ذكر (7) رحمه الله بقية الفرق المنحرفة في هذا المقام، إلى أن قال:

والرابع: سلف الأمة وأئمتها وأئمة أهل العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من غير تحريف للكلم عن مواضعه، أثبتوا أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وهم بائنون منه وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم أنت الصاحب والخليفة في الأهل) (8) ، فهو مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم، كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: 29] ، أي: على الإيمان لا أن ذاته في ذاتهم، بل هم مصاحبون له. وقوله: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ} [النساء: 146] ، يدل على موافقتهم في الإيمان وموالاتهم. فالله تعالى عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا وعلمه بهم من لوازم المعية. وفي القرآن: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت