فليتأمل العاقل ذلك يجده هاديًا له على معرفة ربه والإقرار به كما ينبغي، لا ما أحدثه المتعمقون والمتشدقون ممن سول لهم الشيطان وأملى لهم.
ومن أمثلة ذلك: أن الذين لبسوا الكلام بالفلسفة من أكابر المتكلمين؛ تجدهم يعدون من الأسرار المصونة والعلوم المخزونة، ما إذا تدبره من له أدنى عقل ودين؛ وجد فيه من الجهل والضلال ما لم يكن يظن أنه يقع فيه هؤلاء، حتى يكذب بصدور ذلك عنهم؛ مثل"تفسير حديث المعراج"الذي ألفه أبو عبد الله الرازي الذي احتذى فيه حذو ابن سينا، وعينُ القضاة الهمذاني فإنه روى حديث المعراج بسياق طويل وأسماء عجيبة وترتيب لا يوجد في شيء من كتب المسلمين، لا في الأحاديث الصحيحة ولا الحسنة ولا الضعيفة المروية عند أهل العلم وإنما وضعه بعض السُّؤال والطرقية أو بعض شياطين الوعاظ أو بعض الزنادقة. ثم إنه مع الجهل بحديث المعراج الموجود في كتب الحديث والتفسير والسيرة وعدوله عما يوجد في هذه الكتب إلى ما لم يسمع من عالم ولا يوجد في أثارة من علم؛ فسره بتفسير الصابئة الضالة المنجمين، وجعل معراج الرسول تَرَقِّيه بفكره إلى الأفلاك، وأن الأنبياء الذين رآهم هم الكواكب؛ فآدم هو القمر. وإدريس هو الشمس. والأنهار الأربعة هي العناصر الأربعة، وأنه عرف الوجود الواجب المطلق. ثم إنه يعظِّم ذلك ويجعله من الأسرار والمعارف التي يجب صونها عن أفهام المؤمنين وعلمائهم، حتى إن طائفة ممن كانوا يعظمونه لما رأوا ذلك تعجبوا وجعل بعض المتعصبين يدفع ذلك حتى أروه النسخة بخط بعض المشائخ المعروفين الخبيرين بحاله وقد كتبها في ضمن كتابه الذي سماه:"المطالب العالية"، وجمع فيه عامة آراء الفلاسفة والمتكلمين. انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -.
وهذا هو الرازي الذي يلقب بالإمام فخر الدين الرازي هذه مواقفة المشينة وبعض مؤلفاته المشبوهة، والذي أوقعه في ذلك إنما هو الإعراض عن الأخذ بأدلة الكتاب والسنة، وباعتبارها أدلة لا تفيد اليقين عنده، وأخذه بآراء الفلاسفة والمتكلمين. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة كما قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف] .
يواصل الشيخ - رحمه الله - انتقاده لعلماء الكلام ويبيِّن ما لديهم من شطحات. ومن هؤلاء واحد من كبار شخصياتهم له شهرته وهو أبو حامد الغزالي، يقول فيه الشيخ (1) : وتجد أبا حامد الغزالي مع أن له من العلم بالفقه والتصوف والكلام والأصول وغير ذلك مع الزهد والعبادة وحسن القصد وتبحره في العلوم الإسلامية أكثر من أولئك - يعني الرازي وأشباهه - يذكر في كتاب"الأربعين"، ونحوه كتابه"المضنون به على غير أهله"، فإذا طلبت ذلك الكتاب واعتقدت فيه أسرار الحقائق وآية المطالب وجدته قول الصابئة المتفلسفة بعينه قد غيّرت عباراتهم وترتيباتهم، ومن لم يعلم حقائق مقالات العباد ومقالات أهل الملل يعتقد أن ذلك هو السر الذي كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وأنه هو الذي يطلع عليه المكاشفون الذين أدركوا الحقائق بنور إلهي؛ فإن أبا حامد كثيرًا ما يحيل في كتبه على ذلك النور الإلهي، وعلى ما يعتقد أنه يوجد للصوفية والعُباد برياضاتهم وديانتهم من إدراك الحقائق وكشفها لهم حتى يزِنوا بذلك ما ورد به الشرع.