يرد الشيخ -رحمه الله- على علماء الكلام من الجهمية والمعتزلة النافية لقدم أفعال الله وإرادته ومشيئته؛ لئلا يلزم قدم العالم بزعمهم، ويسمون ذلك منع التسلسل! قال الشيخ (100) -رحمه الله-: وهذا الأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن تبعهم من أهل الكلام من امتناع دوام أفعال الله، وهو الذي بنوا عليه أصول دينهم وجعلوا ذلك أصل دين المسلمين. فقالوا: الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث؛ لأن ما لا يخلو عنها ولا يسبقها يكون معها أو بعدها، وما كان مع الحوادث أو بعدها فهو حادث، ولما كان حقيقة هذا القول أن الله سبحانه لم يكن قادرًا على الفعل في الأزل، بل صار قادرًا بعد أن لم يكن قادرًا عليه كان هذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء. حتى إنه كان من البدع التي ذكروها؛ من بدع الأشعري في الفتنة التي جرت بخراسان.
ثم إن أهل الكلام وأئمتهم كالنظام والعلاف وغيرهما من شيوخ المعتزلة والجهمية، ومن اتبعهم من سائر الطوائف يقولون: إن دين الإسلام إنما يقوم على هذا الأصل، وأنه لا يعرف أن محمدًا رسول الله إلا بهذا الأصل؛ فإن معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسل، فلا بد من إثبات العلم بالصانع أولًا، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه. قالوا: وهذا لا يمكن معرفته إلا بهذه الطريقة. فإنه لا سبيل إلى معرفة الصانع فيما زعموا إلا بمعرفة مخلوقاته، ولا سبيل لمعرفة حدوث المخلوقات إلا بهذه الطريق فيما زعموا.
ويقول أكثرهم: أول ما يجب على الإنسان معرفة الله، ولا يمكن معرفته إلا بهذا الطريق. ويقول كثير منهم: إن هذه طريقة إبراهيم الخليل -عليه السلام- المذكورة في قوله: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] ، قالوا: فإن إبراهيم استدل بالأفول وهو الحركة والانتقال على أن المتحرك لا يكون إلهًا، قالوا: ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخالفًا لذلك من وصف الرب بالإتيان والمجيء والنزول وغير ذلك؛ فإن كونه نبيًا لم يعرف إلا بهذا الدليل العقلي فلو قُدح في ذلك لزم القدح في دليل نبوته فلم يعرف أنه رسول الله.
ولأجل هذه الطريق أنكرت الجهمية والمعتزلة الصفات والرؤية. وقالوا: القرآن مخلوق، ولأجلها قالت الجهمية بفناء الجنة والنار. ولأجلها قال العلاف بفناء حركاتهم. فقال لهم الناس: أما قولكم: إن هذه الطريق هي الأصل في معرفة دين الإسلام ونبوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام؛ فإنه من المعلوم لكل من علم حال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وما جاء به من الإيمان والقرآن أنه لم يدْعُ الناس بهذه الطريق أبدًا، ولا تكلم بها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، فكيف تكون هي أصل الإيمان؟ والذي جاء بالإيمان وأفضل الناس إيمانًا لم يتكلموا بها البتة ولا سلكها منهم أحد. . .!
إلى أن قال الشيخ: والذين ابتدعوه (101) (أي: هذا الأصل) وزعموا أنهم به نصروا الإسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة، لا للإسلام نصروا ولا لعدوه كسروا. بل كان ما ابتدعوه مما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم، فأفسدوا عقله ودينه واعتدوا به على من نازعهم من المسلمين. وفتحوا لعدو الإسلام بابًا إلى مقصوده، فإن حقيقة قولهم أن الرب لم يكن قادرًا ولا كان الكلام والفعل ممكنًا له، ولم يزل كذلك دائمًا مدة أو تقدير مدة لا نهاية لها، ثم إنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك، وجعلوا مفعوله هو فعله، وجعلوا فعله وإرادة فعله قديمة أزلية والمفعول متأخرًا، وجعلوا القادر يرجح أحد مقدوره على الآخر بلا مرجح، وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة، وأنكروا صفاته ورؤيته، وقالوا: كلامه مخلوق وهو خلاف دين الإسلام. ثم لما رأت الفلاسفة أن هذا مبلغ علم