فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 400

يفهم من كلاهما هو التمثيل الباطل، قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.

الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله - عز وجل - بغير علم فيكون معطلًا لما يستحقه الرب.

الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات؛ فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل؛ فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته.

مثال ذلك: أن النصوص كلها دلت على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات واستوائه على العرش؛ فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع. وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينه ولا مداخله؛ فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام. كقوله: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: 12، 13] ، فيخيل له أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام. فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها ثم يريد أن ينفي هذا الزعم.

إلى أن قال - رحمه الله: ثم قد علم أن الله تعالى خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرًا إلى سافله؛ فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرًا إلى أن تحمله الأرض والسحاب أيضًا فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله، والسماوات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها. فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه أو عرشه؟ أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟ وقد علم أن ما ثبت للمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق - سبحانه وتعالى - أحق به وأولى. وكذلك قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] ، من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال بالاتفاق.

إلى أن قال - رحمه الله: ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله: إنه في السماء أنه في العلو وأنه فوق كل شيء لأن السماء يراد به العلو. وكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله) (20) قالت: في السماء المبنية كان المراد أنه عليها كما قال: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] ، وكما قال: {فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} [آل عمران: 137] ، وكما قال: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة: 2] ، ويقال: فلان في الجبل وفي السطح، وإن كان على أعلى شيء فيه.

وبهذا الذي ذكره الشيخ من البيان: أن السماء يراد بها معنيان: الأول: ما علا وارتفع يقال له: سماء؛ فيكون المراد على هذا أن الله في السماء يعني في العلو، ويراد بالسماء السماوات المبنية ذات الأفلاك، فيكون المراد على هذا أن الله في السماء يعني فوق السماء. والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت