فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 400

قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، إلى قوله: {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون] ، إلى قوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون] ، وقال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف] .

ويريد الشيخ - رحمه الله - من هذا الكلام، وإيراد هذه الآيات القرآنية الدالة عليه بيان أن المشركين على اختلاف مللهم لم يشركوا بالله في الربوبية؛ فلم يزعموا لآلهتهم التي يعبدونها مع الله أنها تشارك الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنما يريدون منها أن تشفع لهم عند الله تعالى وتقربهم إليه زلفى، كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] ؛ فبيّن سبحانه مقصودهم من اتخاذ هذه الآلهة وهو طلب الشفاعة منها لهم عند الله، وأن تقربهم إلى الله زلفى، والله سبحانه لم يشرع لعباده أن يجعلوا بينهم وبينه وسائط في دعائهم له وقضاء حوائجهم، بل أمر بدعائه مباشرة من غير اتخاذ واسطة: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .

توحيد الألوهية هو حق الله على عباده؛ قال (8) الشيخ - رحمه الله: ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق كالعبادة والتوكل والخوف والخشية والتقوى، كما قال تعالى: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا} [الإسراء: 22] ، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 64] ، وكل من الرسل يقول لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] ، وقد قال تعالى في التوكل: {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] ، {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] ، وقال: {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] ، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ، فقال في الإتيان: {مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 59] ، وقال في التوكل: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ} [آل عمران: 173] ، ولم يقل: ورسوله؛ لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعي وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما أحله والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] . وأما الحسب فهو الكافي، والله وحده كافٍ عبده، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] ، فهو وحده حسبهم كلهم، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] ؛ أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله فهو كافيكم كلكم وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كافٍ نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسبًا للرسول.

وقال في الخوف والخشية والتقوى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] ، فأثبت الطاعة لله والرسول. وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح - عليه السلام: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح] ؛ فجعل العبادة والتقوى لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت