لكنه لا يكفي في الدخول في الإسلام والنجاة من النار. ومن هنا غلط غلطًا فاحشًا من قصر اهتمامه من العلماء على توحيد الربوبية، زاعمًا أنه هو المقصود، وأن الإقرار به يكفي ومن أقر به صار مسلمًا، وفي هذا الموضوع يتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية بإسهاب ووضوح؛ فيقول - رحمه الله - لما ذكر الآيات الدالة على أن الكفار مقرون بتوحيد الربوبية؛ ولم يدخلهم في الإسلام قال (5) :
وبهذا وغيره يُعرف ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد؛ فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع: فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال؛ وهو أن خالق العالم واحد. ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع.
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أوّلًا لم يكونوا يخالفونه في هذا بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم يقرون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون.
إلى أن قال: فإن هذا التوحيد الذي قرروه - يعني علماء الكلام - لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون بل يقرون به مع أنهم مشركون؛ كما أثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام، إلى أن قال: فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله - يعني توحيد الربوبية - لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به القرآن وقاتلهم عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل لا بد أن يعترفوا أن لا إله إلا الله وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره؛ فقد شهد أن لا إله إلا هو؛ فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون، بل الإله الحق هو الذي يستحق بأن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه، والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إله آخر.
وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار المنتسبون إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون مقرون بذلك مع أنهم مشركون، بل عامة (6) المشركين بالله مقرون بأنه ليس الشريك الذي اتخذوه معه مثله، بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له؛ سواء كان ملكًا أو نبيًا أو كوكبًا أو صنمًا. كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم:"لبيك لا شريك لك. إلا شريكًا هو لك. تملكه وما ملك"، فأهّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد وقال: (لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك) (7)
وقد ذكر أرباب المقالات - أي الذين صنفوا في الملل والنحل - ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات؛ فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر. ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما: أنها محدثة فتكون من جملة المخلوقات له. والثاني: أنها قديمة لكنها لم تفعل إلا الشر فكانت ناقصة من ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور. وقد أخبر سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بينه في كتابه فقال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] ، وقال تعالى: قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ