السلف، وإنما هو مما أحدثه المتأخرون، وهذا الذي استخدموه في صرف نصوص الصفات الإلهية عما دلت عليه من الحق.
ثم بيَّن الشيخ - رحمه الله - نقطة أخرى أو هي بالأصح عود إلى ما سبق بيانه من أن بين أسماء الله وصفاته وأسماء وصفات المخلوقين اشتراكًا في المعنى لا يقتضي اشتراكهما في الحقيقة، وهذا الاشتراك في المعنى يسمى بالتشابه من حيث اللفظ، كالتشابه الذي بين ما في الدنيا من المسميات وما في الآخرة وهو لا يقتضي التشابه في الحقائق.
قال الشيخ (24) - رحمه الله - في هذا المعنى: ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة يشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وخمرًا ونحو ذلك. وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته. فأسماء الله تعالى وصفاته أولى، وإن كان بينهما وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه لا يكون الخالق من أجله مثل المخلوق ولا حقيقته كحقيقته.
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - الحكمة من وجود هذا التشابه بين الحاضر والغائب فقال: والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد. وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار علمنا معنى ذلك، وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسرنا ذلك، وأما نفس الحقيقة المخبر عنها مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (25) ، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان. فبيَّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهول. ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة؛ ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله فلا يعلم ما هو إلا هو.
قال (26) - رحمه الله: ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه. فينبغي أن يعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه، قال الله تعالى: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] ، فأخبر أنه أحكم آياته كلها، وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ} [الزمر: 23] ؛ فأخبر أنه كله متشابه.
والحُكم هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يفصل بين الخصمين، والحُكم فَصْل بين المتشابهات علمًا وعملًا؛ إذا ميز بين الحق والباطل والصدق والكذب والنافع والضار. وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار. فيقال: حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه. وحكمت الدابة وأحكمتها إذا جعلت لها حكمةً، وهو ما أحاط بالحنك من اللجام. وإحكام الشيء إتقانه. فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيمًا بقوله: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1] ، فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقصُّ بقوله: إِنَّ