وتحقيق الجواب هو أن يقال: إما أن يكون قربه بنفسه القربُ اللازمُ ممكنًا أو لا يكون؟ فإن كان ممكنًا لم تحتج الآية إلى تأويل، وإن لم يكن ممكنًا حملت الآية على ما دل عليه سياقه وهو قربه بعلمه، وعلى هذا القول فإما أن يكون هذا هو ظاهر الخطاب الذي دل عليه السياق أو لا يكون. فإذا كان هو ظاهر الخطاب فلا كلام، إذ لا تأويل حينئذ. وإن لم يكن ظاهر الخطاب فإنما حمل على ذلك؛ لأن الله تعالى قد بيّن في غير موضع من كتابه أنه على العرش وأنه فوق؛ فكان ما ذكره في كتابه في غير موضع، أنه فوق العرش مع ما قرنه بهذه الآية من العلم دليلًا على أنه أراد قرب العلم. إذ مقتضى تلك الآيات ينافي ظاهر هذه الآية على هذا التقدير، والصريح يقضي على الظاهر ويبين معناه، ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإنما سمي تأويلًا وصرفًا عن الظاهر؛ فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه لأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرًا له بالرأي.
والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين. وللإمام أحمد -رحمه الله- رسالة في هذا النوع وهو ذكر الآيات التي يقال بينها معارضة وبيان الجمع بينها، وإن كان فيه مخالفة لما يظهر من إحدى الآيتين أو حمل إحداهما على المجاز، وكلامه في هذا أكثر من غيره من الأئمة المشهورين. فإن كلام غيره أكثر ما يوجد في المسائل العملية وأما المسائل العلمية فقليل، وكلام أحمد كثير في المسائل العلمية والعملية لقيام الدليل من القرآن والسنة على ذلك، ومن قال: إن مذهبه نفي ذلك فقد افترى عليه. والله أعلم.
تكلم الشيخ (110) -رحمه الله- في بيان أن بعض أهل الأهواء عندهم شيء من الحق، ولكنهم ينكرون ما زاد على ما عندهم، ويحصرون الحق فيما هم عليه، فقال: قد كتبت قبل هذا الكلام في قرب العبد من ربه وذهابه إليه، وقرب الرب من عبده وتجلي الرب له وظهوره وما يعترف به المتفلسفة من ذلك ثم المتكلمة ثم أهل السنة. ثم يثبت أهل السنة أشياء لا يعرفها أهل البدعة لجهلهم وضلالهم، إذ كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، ثم المعاني التي يثبتها هؤلاء من الحق ويتأولون النصوص عليها حسنة جيدة، لكن الضلال جاء من جهة نفيهم ما زاد عليها، وذلك مثل إثبات المتفلسفة الواجب الوجود، وأن الروح غير البدن وأنها باقية بعد فراق البدن، وأنها منعمة أو معذبة نعيمًا وعذابًا روحانيين، وكذلك ما يثبتونه من قوى البدن والنفس الصالحة وغير الصالحة.
كل ذلك حق. لكن زعمهم أن لا معنى للنصوص إلا ذلك، وأن لا حق وراء ذلك، وأن الجنة والنار عبارة عن ذلك، وإنما الوصف المذكور في الكتب الإلهية أمثال مضروبة لتفهيم الروحاني. وأن الملائكة والجن هي أعراض وهي قوى النفس الصالحة والفاسدة، وأن الروح لا تتحرك، وإنما ينكشف لها حقائق الكون، فيكون ذلك قربها إلى الله، وأن معراج النبي -صلى الله عليه وسلم- هو من هذا الباب، وهذا النفي والتكذيب كفر.
وكذلك ما يثبته المتكلمة من أن العبد يتقرب ببدنه وروحه إلى الأماكن المفضلة التي يظهر فيها نور الرب كالسماوات والمساجد وكذلك الملائكة. وهذا صحيح. لكن دعواهم أنهم لا يتقربون إلى ذات الله، وأن الله ليس على العرش، فهذا باطل، وإنما الصواب إثبات ذلك وإثبات ما جاء به النصوص أيضًا؛ من قرب العبد إلى ربه وتجلي الرب لعباده، بكشف الحجب المتصلة بهم والمنفصلة عنهم، وعمل العبد الذي هو دنوه إلى ربه.