المؤمن فإن صبر رفع درجته كما قال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت] . ومن صبر من أهل الأهواء على قوله فذاك لما فيه من الحق، إذ لا بد من كل بدعة عليها طائفة كبيرة من الحق الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويوافق عليه أهل السنة والحديث ما يوجب قبولها؛ إذ الباطل المحض لا يقبل بحال.
وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة، بل المتفلسف أعظم اضطرابًا وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف. ولهذا تجد مثل أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سيناء وأمثاله. وأيضًا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقًا واختلافًا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان. وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقًا وائتلافًا. وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الائتلاف والاتفاق أقرب.
يبّين الشيخ - رحمه الله - ما بين أهل السنة والحديث وما بين علماء الكلام والفلاسفة من الفوارق العظيمة فيقول (43) : تجد أهل الفلاسفة والكلام أعظم الناس افتراقًا واختلافًا، مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان، وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقًا وائتلافًا، وكل من كان إليهم من الطوائف أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب. فالمعتزلة أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المتفلسفة؛ إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوات، بل وفي الطبيعيات والرياضات وصفات الأفلاك من الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال. وقد ذكر من جمع مقالات الأوائل مثل أبي الحسن الأشعري في كتاب"المقالات"، ومثل القاضي أبي بكر في كتاب"الدقائق"في مقالاتهم بقدر الله يذكره الفارابي وابن سينا وأمثالهما أضعافًا، وأهل الإثبات من الكرامية والأشعرية أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المعتزلة؛ فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضًا حتى ليكفر التلميذ أستاذه: جنس ما بين الخوارج، وقد ذكر من صنف في فضائح المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه. ولست تجد اتفاقًا وائتلافًا إلا في اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث، ولا تجد افتراقًا واختلافًا إلا عند من ترك ذلك وقدم غيره عليه. قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود] ؛ فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولًا وفعلًا، وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة؛ فمن خالفهم في شيء من ذلك فاته من الرحمة بقدر ذلك. ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا أعظم اختلافًا. والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضًا أبعد عن السنة والحديث كانوا أعظم اختلافًا، لا سيما الرافضة فإنه يقال: إنهم أعظم الطوائف اختلافًا وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة.
وأبو محمد بن قتيبة في أول كتاب"مختلف الحديث"لما ذكر أهل الحديث وأئمتهم وأهل الكلام وأئمتهم، قفَّى بذكر هؤلاء ووصف أقوالهم وأعمالهم ووصف أئمة هؤلاء وأقوالهم وأعمالهم؛ مما يبين لكل أحد أن أهل الحديث هم أهل الحق والهدى وأن غيرهم أولى بالضلال والجهل والحشو والباطل. وأيضًا المخالفون لأهل الحديث هم مظنة فساد الأعمال إما عند سوء عقيدة ونفاق. وإما عن مرض في القلب وضعف إيمان؛ ففيهم مِن تَرْك الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وإن كان فيهم من هو معروف بزهد وعبادة ففي زهد بعض العامة من أهل السنة وعبادته ما هو أرجح مما هو فيه.
ومن المعلوم أن العلم أصل العمل وصحة الأصول توجب صحة الفروع، والرجل لا يصدر عنه فساد العمل إلا لشيئين: إما الحاجة وإما الجهل. فأما العالم بقبح الشيء فلا يفعله، اللهم إلا من غلب هواه عقله