فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 400

فأجاب (12) : إنهما ليسا من الأحياء ولا معمران وقد سأل إبراهيم الحربي أحمد بن حنبل عن تعمير الخضر وإلياس، وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما؟ فقال الإمام أحمد: من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا شيطان. وسئل البخاري عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؛ وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد؟) (13)

وقال أبو الفرج ابن الجوزي: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] وليس هما في الأحياء. والله أعلم. انتهى كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ.

وأقول: بهذا الجواب الواضح يبطل ما نسب إلى الشيخ في هذه المسألة مما يخالفهما من أن الخضر حي الآن؛ فإما أن يكون ذلك ليس من كلام الشيخ، أو يكون قد تراجع عنه، وتبين له أن الخضر ميت. وعلى كل حال فالحق ما قامت عليه الأدلة، وقد قامت الأدلة على موت الخضر كغيره من البشر، وقد قال الله تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34] ، والقول باستمرار حياة الخضر لم يقم عليه دليل صحيح. فالواجب الأخذ بما دل عليه الدليل الصحيح: من موت الخضر كغيره من البشر حتى لا يتعلق بذلك المخرفون والهارفون بما لا يعرفون؛ من أجل إفساد عقائد الناس، وتركهم الأدلة الصحيحة إلى شبهات ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن صاحب الهوى يتعلق بما هو أوهى من نسج العنكبوت، ويترك الأدلة الصحيحة. فلا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين.

سئل الشيخ (14) تقي الدين أحمد بن تيمية ـ رحمه الله ـ عن هذه الأحاديث: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى موسى ـ عليه السلام ـ وهو يصلي في قبره (15) ، ورآه وهو يطوف بالبيت، ورآه في السماء وكذلك بعض الأنبياء؟

هل إذا مات أحد يبقى له عمل؟ والحديث أنه ينقطع عمله، وهل ينتفع بهذه الصلاة وبالطواف؟ وهل رأى الأنبياء بأجسادهم في هذه الأماكن أم بأرواحهم؟.

فأجاب ـ رحمه الله ـ: الحمد لله رب العالمين. أما رؤيا موسى عليه السلام في الطواف (16) فهذا كان رؤيا منام لم يكن ليلة المعراج؛ كذلك جاء مفسرًا؛ كما رأى المسيح أيضًا (17) ، ورأى الدجال. وأما رؤيته ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيي وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، أو بالعكس. فهنا رأى أرواحهم مصورة في صور أبدانهم. لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك قيل في إدريس، وأما إبراهيم وموسى وغيرهما فهم مدفونون في الأرض. والمسيح ـ صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء ـ لا بد أن ينزل إلى الأرض على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقتل الدجال ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. ولهذا كان في السماء الثانية مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره. وآدم كان في سماء الدنيا؛ لأن نسم بنيه تعرف عليه؛ أرواح السعداء. والأشقياء لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلا بد إذا عرضوا عليه أن يكون قريبًا منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت