فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 400

الأئمة، فكلهم نهوا عن تقليده كما نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره من العلماء؛ فكيف يُقلَّد أحمد وغيره في أصول الدين؟

وأصحاب أحمد مثل أبي داود السجستاني وإبراهيم الحربي وعثمان بن سعيد الدارمي وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري ومسلم وبقي بن مخلد وأبي بكر الأثرم، وابنيه صالح وعبد الله وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ومحمد بن مسلم بن وارة، وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين. ولا يقبلون كلام أحمد ولا غيره إلا بحجة يبينها لهم، وقد سمعوا العلم كما سمعه هو، وشاركوه في كثير من شيوخه، ومن لم يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم نظراؤه، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه.

قال الشيخ (141) -رحمه الله- تحت عنوان:"قاعدة شريفة": وهي أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية؛ إنما تدل على الحق لا تدل على قول باطل، وهذا ظاهر يعرفه كل أحد؛ فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق لا على باطل. يبقى الكلام في أعيان الأدلة، وبيان انتفاء دلالتها على الباطل ودلالتها على الحق، هو تفصيل هذا الإجمال. والمقصود هنا شيء آخر، وهو نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطي حقه وتميز ما فيه من حق وباطل، وبُيِّن ما يدل عليه؛ تبين أنه يدل على فساد قو المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه! وهذا عجيب! قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك.

والمقصود هنا بيان أن الأدلة العقلية التي يعتمدون عليها في الأصول والعلوم الكلية والإلهية هي كذلك.

فأما الأدلة السمعية فقد ذكرت من هذا أمورًا متعددة مما يحتج به الجهمية وارافضة وغيرهم، مثل احتجاج الجهمية نفاة الصفات بقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص] ، وقد ثبت في غير موضع أنها تدل على نقيض مطلوبهم وتدل على الإثبات، وكذلك احتجاجهم على نفي الرؤية بقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] ؛ فإنها تدل على إثبات الرؤية ونفي الإحاطة، وكذلك الاحتجاج بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، ونحو ذلك. والمقصود هنا الكلام على الأدلة العقلية؛ فإن كل من له معرفة يعرف أن السمعيات إنما تدل على إثبات الصفات، والمقصود هنا الكلام على الأدلة العقلية التي يحتج بها المبطل من الجهمية نفاة الصفات ومن الممثلة الذين يمثلونه بخلقه، وعلى الأدلة التي يحتج بها القدرية النافية والقدرية المجبرة الجهمية.

فإن هذين الأصلين، وهما الصفات والقدر، ويسميان التوحيد والعدل هما أعظم وأجل ما تكلم فيه في الأصول، والحاجة إليهما أعم، ومعرفة الحق فيهما أنفع من غيرهما.

فنقول: إذا تدبر الخبير ما احتج به من يقول: إن القرآن قديم كالأشعري وأتباعه، ومن وافقهم كالقاضي وأبي المعالي وأبي الوليد الباجي، وأبي منصور الماتريدي وغيرهم من الحنبلية والشافعية والمالكية والحنفية؛ لم توجد عند التحقيق تدل إلا على مذهب السلف والأئمة الذي يدل عليه الكتاب والسنة، وكذلك إذا تدبر ما يحتج به من يقول: إن القرآن مخلوق إنما يدل على قول السلف والأئمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت