فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 400

للتعطيل؛ جهلًا منهم بما جرى له، فإنه اتفق له أمر عجيب؛ وهو أن ناسًا من الزنادقة قد علموا زهد الإمام أحمد وورعه وتقواه، وأن الناس يتبعونه فيما يذهب إليه، فجمعوا له كلامًا في الإثبات وعزوه إلى تفاسير وكتب وأحاديث، وأضافوا أيضًا إلى الصحابة والأئمة وغيرهم، حتى إليه هو شيئًا كثيرًا من ذلك على لسانه، وجعلوا ذلك في صندوق مقفل وطلبوا من الإمام أحمد أن يستودع ذلك منهم، وأظهروا أنهم على سفر ونحو ذلك، وأنهم غرضهم الرجوع إليه ليأخذوا تلك الوديعة، وهم يعلمون أنه لا يتعرض لما في الصندوق، فلم يزل عنده الصندوق إلى أن توفاه الله، فدخل أتباعه والذين أخذوا عنه العلم فوجدوا ذلك الصندوق وفتحوه، فوجدوا فيه تلك الأحاديث الموضوعة والتفاسير والنقول الدالة على الإثبات، فقالوا: لو لم يكن الإمام أحمد يعتقد ما في هذه الكتب لما أودعها هذا الصندوق، واحترز عليها! فقرأوا تلك الكتب وأشهروها في جملة ما أشهروا من تصانيفه وعلومه، وجهلوا مقصود أولئك الزنادقة الذين قصدوا إفساد هذه الأمة الإسلامية، كما حصل مقصود بولس بإفساد الملة النصرانية بالرسائل التي وضعها لهم.

فأجاب الشيخ -رحمه الله- عن ذلك بقوله: من قال تلك الحكاية المفتراة عن أحمد بن حنبل، وأنه أودع عنده صندوق فيها كتب لم يعرف ما فيها حتى مات، وأخذها أصحابه فاعتقدوا ما فيها؛ فهذا يدل على غاية جهل هذا المتكلم؛ فإن أحمد لم يأخذ عنه المسلمون كلمة واحدة من صفات الله تعالى قالها هو، بل الأحاديث التي يرويها أهل العلم في صفات الله تعالى كانت موجودة عند الأمة قبل أن يولد الإمام أحمد، وقد رواها أهل العلم غير الإمام أحمد، فلا يحتاج الناس فيها إلى رواية أحمد، بل هي معروفة ثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو لم يخلق أحمد.

وأحمد إنما اشتهر أنه إمام أهل السنة والصابر على المحنة لما ظهرت محن الجهمية الذين ينفون صفات الله تعالى، ويقولون: إن الله لا يرى في الآخرة، وأن القرآن ليس هو كلام الله بل هو مخلوق من المخلوقات. وأنه تعالى ليس فوق السماوات وأن محمدًا لم يعرج إلى الله، وأضلوا بعض ولاة الأمر فامتحنوا الناس بالرغبة والرهبة، فمن الناس من أجابهم رغبة، ومن الناس من أجابهم رهبة، ومنهم من اختفى فلم يظهر لهم. وصار من لم يجبهم قطعوا رزقه وعزلوه عن ولايته، وإن كان أسيرًا لم يفكوه ولم يقبلوا شهادته، وربما قتلوه أو حبسوه، والمحنة مشهورة معروفة كانت في إمارة المأمون والمعتصم والواثق ثم رفعها المتوكل.

فثبت الله الإمام أحمد فلم يوافقهم على تعطيل صفات الله تعالى، وناظرهم في العلم فقطعهم، وعذبوه فصبر على عذابهم، فجعله الله من الأئمة الذين يهدون بأمره؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة] ، فمن أُعطي الصبر واليقين جعله الله إمامًا في الدين، وما تكلم به"يعني الإمام أحمد"من السنة فإنما أضيف إليه لكونه أظهره وأبداه، لا لكونه أنشأه وابتداه، وإلا فالسنة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله. وما قاله الإمام أحمد هو قول الأئمة قبله، كمالك والثوري والأوزاعي وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وقول التابعين قبل هؤلاء، وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وأحاديث السنة معروفة في"الصحيحين"وغيرهما من كتب الإسلام. والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة متواتر بإثبات صفات الله تعالى، وهؤلاء متبعون في ذلك ما تواتر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. فأما أن المسلمين يثبتون عقيدتهم في أصول الدين بقوله أو بقول غيره من العلماء فهذا لا يقوله إلا جاهل، وأحمد بن حنبل نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء في الفروع. وقال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا تقلدني ولا مالكًا ولا الثوري ولا الشافعي، وقد جرى في ذلك على سنن غيره من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت