يكون إلا حقًا. فإن كان موافقًا له ظاهرًا وباطنًا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنًا وظاهرًا، وإن كان موافقًا له في الظاهر دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله؛ فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم.
يرد شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - على من يقول (13) : إن مذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه، فيقول - رحمه الله: لفظ التوحيد والتنزيه والتشبيه والتجسيم ألفاظ قد دخلها الاشتراك بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلمين وغيرهم. وكل طائفة تعني بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرهم.
فالجهمية من المعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه نفي جميع الصفات، وبالتجسيم والتشبيه إثبات شيء منها، حتى إن من قال: إن الله يُرى، أو أنه له علمًا فهو عندهم مشبه مجسم.
وكثير من المتكلمة الصفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه نفي الصفات الخبرية أو بعضها، وبالتجسيم والتشبيه إثباتها أو بعضها.
والفلاسفة تعني بالتوحيد ما تعنيه المعتزلة، وزيادة حتى يقولون: ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما.
والاتحادية تعني بالتوحيد أنه الوجود المطلق.
ولغير هؤلاء فيه اصطلاحات أخرى.
وأما التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به الكتب فليس هو متضمنًا شيئًا من هذه الاصطلاحات، بل أمر الله عباده أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا؛ فلا يكون لغيره نصيب فيما يختص به من العبادة وتوابعها، هذا في العمل؛ وفي القول: هو الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله.
فإن كنت تعني أن مذهب السلف هو التوحيد بالمعنى الذي جاء به الكتاب والسنة فهذا حق، وأهل الصفات الخبرية لا يخالفون هذا. وإن عنيت أن مذهب السلف هو التوحيد والتنزيه الذي يعنيه بعض الطوائف فهذا يعلم بطلانه كلُّ من تأمل أقوال السلف الثابتة عنهم الموجودة في كتب آثارهم؛ فليس في كلام السلف كلمة توافق ما تختص به هذه الطوائف ولا كلمة تنفي الصفات الخبرية.
ومن المعلوم أن مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم فليراجع في ذلك الآثار المنقولة عنهم. وإن كان إنما يعرف بالاستدلال المحض بأن يكون كل من رأى قولًا عنده هو الصواب قال: هذا مذهب السلف؛ لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب! فهذا الذي يجرِّئ المبتدعة على أن يزعم كل منهم أنه على مذهب السلف. فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم، بل بدعواه: أن قوله هو الحق.