فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 400

وأما أهل الحديث فإنما يذكرون مذهب السلف بالنقول المتواترة؛ يذكرون من نقل مذهبهم من علماء الإسلام، وتارة يروون قولهم في هذا الباب، فصار مذهب السلف منقولًا بإجماع الطوائف وبالتواتر.

ثم لفظ التجسيم لا يوجد في كلام أحد من السلف لا نفيًا ولا إثباتًا؛ فكيف يحل أن يقال: مذهب السلف نفي التجسيم أو إثباته، بلا ذكر لذلك اللفظ ولا لمعناه عنهم؟ وكذلك لفظ التوحيد بمعنى نفي شيء من الصفات لا يوجد في كلام أحد من السلف. وكذلك لفظ التنزيه بمعنى نفي شيء من الصفات الخبرية لا يوجد في كلام أحد من السلف.

نعم لفظ التشبيه موجود في كلام بعضهم وتفسيره معه، ويريدون بالتشبيه تمثيل الله بخلقه دون نفي الصفات التي في القرآن والحديث. ثم إن هذا القول يدل على قلة الخبرة بمقالات الناس من أهل السنة والبدعة؛ فإنه قال: وكذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف؛ فليس الأمر كذلك، بل الطوائف المشهورة بالبدعة كالخوارج والروافض لا يدَّعون أنهم على مذهب السلف. بل هؤلاء يكفِّرون جمهور السلف؛ فالرافضة تطعن في أبي بكر وعمر وعامة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان وسائر أئمة الإسلام، فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟ ولكن ينتحلون مذهب أهل البيت كذبًا وافتراء. وكذلك الخوارج قد كفَّروا عثمان وعليًا وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين؛ فكيف يزعمون أنهم على مذهب السلف؟

الوجه الرابع: ثم هذا الاسم"يعني الحشوية"ليس له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين. ولا شيخ أو عالم مقبول عند عموم الأمة فإذا لم يكن ذلك لم يكن في الذم به لا نص ولا إجماع ولا ما يصلح تقليده للعامة. فإذا كان الذم بلا مستند للمجتهد ولا للمقلدين عمومًا كان في غاية الفساد والظلم؛ فإن الذم والحمد من الأحكام الشرعية لا يصلح إلا بالأسماء التي أنزل الله بها سلطانًا، فأما تعليق بأسماء مبتدعة فلا يجوز؛ بل ذلك من باب شرع دين لم يأذن به الله.

والمعتزلة تفسق من الصحابة والتابعين طوائف وتطعن في كثير منهم وفيما رووه من الأحاديث التي تخالف آراءهم وأهواءهم، بل تكفر أيضًا من يخالف أصولهم التي انتحلوها من السلف والخلف فلهم من الطعن في علماء السلف وفي علمهم ما ليس لأهل السنة والجماعة وليس انتحال مذهب السلف من شعائرهم، وإن كانوا يقرون بخلافة الخلفاء الأربعة ويعظمون من أئمة الإسلام وجمهورهم ما لا يعظمه أولئك"يعني الرافضة والخوارج"؛ فلهم من القدح في كثير منهم ما ليس هذا موضعه. وللنظَّام من القدح في الصحابة ما ليس هذا موضعه. فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف، ولهذا قال الإمام أحمد في"رسالة عبدوس بن مالك": أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وأما متكلمة أهل الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث؛ فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السلف، بل يوافقونهم في أكثر جمل مقالاتهم، لكن كل من كان بالحديث من هؤلاء أعلم كان بمذهب السلف أعلم وله أتبع. وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها، أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع فهذا باطل قطعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت