فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 400

استنباط النصوص لا على خيال فلسفي ولا رأي قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات. لا جرم كانت الدائرة والثناء والصدق والجزاء العاجل والآجل لورثة الأنبياء التابعين لهم في الدنيا والآخرة؛ فإن المرء على دين خليله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31] ، وبكل حال فهم أعلم الأمة بحديث الرسول ومقاصده وأحواله.

ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه ظاهرًا وباطنا وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث، والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما؛ فقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم.

ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد عن معرفة الحديث، هذا أمر محسوس. بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم أجهل الناس بأقواله - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرًا من العامة أعلم بذلك منهم. وتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه وحديث مكذوب موضوع عليه. وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم سواء كان موضوعًا أو غير موضوع، فيعْدِلون إلى أحاديث يعلم خاصة الرسول بالضرورة اليقينية أنها مكذوبة عليه، عن أحاديث يعلم خاصته بالضرورة اليقينية أنها قوله.

وهم لا يعلمون مراده، بل غالب هؤلاء لا يعلمون معاني القرآن فضلًا عن الحديث، بل كثير منهم لا يحفظون القرآن أصلًا، فمن لا يحفظ القرآن ولا يعرف معانيه، ولا يعرف الحديث ولا معانيه؛ من أين يكون عارف بالحقائق المأخوذة عن الرسول؟

يبين الشيخ (20) - رحمه الله - منهج أهل الحديث ومنهج مخالفيهم من المبتدعة والزنادقة، فيقول: فأعلم الناس بالسابقين وأتبعهم لهم هم أهل الحديث وأهل السنة. ولهذا قال الإمام أحمد في"رسالة عبدوس بن مالك": أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة ضلالة. والسنة عندنا آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن؛ أي: دلالات على معناه.

ولهذا ذكر العلماء أن الرِّفض أساس الزندقة، وأن أول من ابتدع الرِّفض كان منافقًا زنديقًا وهو عبد الله بن سبأ؛ فإنه إذا قدح في السابقين الأولين؛ فقد قدح في نقل الرسالة أو في فهمها أو في اتباعها، فالرافضة تقدح تارة في علمهم بها وتارة في اتباعهم لها، وتحيل ذلك على أهل البيت وعلى المعصوم الذي ليس له وجود في الوجود. والزنادقة من الفلاسفة والنصيرية وغيرهم يقدحون تارة في النقل وهو قول جهالهم، وتارة يقدحون في فهم الرسالة وهو قول حذاقهم؛ كما يذهب إليه أكابر الفلاسفة والاتحادية ونحوهم، حتى كان التلمساني مرة مريضًا فدخل عليه شخص ومعه بعض طلبة الحديث، فأخذ يتكلم على قاعدته في الفكر أنه حجاب وأن الأمر مداره على الكشف، وغرضه كشف الوجود المطلق، فقال ذلك الطالب: فما معنى قول أم الدرداء: أفضل عمل أبي الدرداء التفكر فتبرم بدخول مثل هذا عليه وقال للذي جاء به:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت