ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، ومثل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة وعباد بن بشر وسالم مولى أبي حذيفة، وغير هؤلاء ممن كان أخص الناس بالرسول وأعلمهم بباطن أموره وأتبعهم لذلك. فعلماء الحديث أعلم الناس بهؤلاء وببواطن أمورهم وأتبعهم لذلك. فيكون عندهم العلم؛ علم خاصة الرسول وبطانته؛ كما أن خواص الفلاسفة يعلمون علم أئمتهم، وخواص المتكلمين يعلمون علم أئمتهم، وخواص القرامطة والباطنية يعلمون علم أئمتهم، وكذلك أئمة الإسلام مثل أئمة العلماء. فإن خاصة كل إمام أعلم بباطن أموره، مثل: مالك بن أنس فإن ابن القاسم لما كان أخص الناس به وأعلمهم بباطن أمره، اعتمد أتباعه على روايته، حتى إنه تؤخذ مسائل السر التي رواها ابن أبي الغمر، وإن طعن بعض الناس فيها. وكذلك أبو حنيفة فأبو يوسف ومحمد وزفر أعلم الناس به.
وقد يكتب العالم كتابًا أو يقول قولًا فيكون بعض من لم يشافهه به أعلم بمقصوده من بعض من شافهه به. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (فرب مبلغ أوعى من سامع) (17) ، لكن بكل حال لا بد أن يكون المبلّغ من الخاصة العالمين بحال المبلغ عنه. كما يكون في أتباع الأئمة من هو أفهم لنصوصهم من بعض أصحابهم. ومن المستقر في أذهان المسلمين أن ورثة الرسول وخلفاء الأنبياء الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا، ودعوةً إلى الله والرسول؛ فهؤلاء أتباع الرسول حقًا وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء، وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها وزكى الناس بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص] ، فالأيدي القوة في أمر الله. والأبصار البصائر في دين الله. فبالبصائر يدرك الحق ويعرف وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه. فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهمًا خاصًا. كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد سئل: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه (18) ، فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الذي أنبتته الأرض الطيبة وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن الطبقة الثانية. وهي التي حفظت النصوص فكان همها حفظها وضبطها، فوردها الناس وتلقوها بالقبول، واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها، واتجروا فيها وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات ووردوها كل بحسبه {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] ، وهؤلاء الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها. فرب حامل فقه وليس بفقيه. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (19) ، وهذا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يبلغ نحو العشرين حديثًا، الذي يقول فيه: (سمعت ورأيت) ، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك له في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا فقهًا وعلمًا. قال أبو محمد بن حزم: وجُمعت فتاواه في سبعة أسفار كبار. وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر، وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس. وقد سمعوا ما سمع وحفظوا القرآن كما حفظه، لكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص فأنبتت كل زوج كريم و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة] .
وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق؛ يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسًا. فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها. وهكذا ورثتهم من بعدهم اعتمدوا في دينهم على