من ذلك، ولهذا قال - رحمه الله: ولكن توهمت طائفة أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل. وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا، فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت.
ثم تناول الشيخ - رحمه الله - طائفة الصوفية الذين يقفون مع توحيد الربوبية والقدر، ولا ينظرون إلى الشرع، وما فيه من الأوامر التي تأمر بالبر وفعل الخير والطاعة، وتنهى عن الشر والمعصية، وأن مذهبهم هذا معناه إلغاء الشرع، وعدم التفريق بين الطاعة والمعصية وبين الكفر والإيمان؛ لأن كلًا منهما مقدر من الله كما يقولون. قال - رحمه الله - في هذا الموضوع: فمن نظر إلى القدر فقط وعظم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية؛ لم يميز بين العلم والجهل والصدق والكذب، والبر والفجور والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى، والضلال، والرشاد والغي، وأولياء الله وأعدائه وأهل الجنة وأهل النار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ودينه وشرائعه فهم مخالفون أيضًا لضرورة الحس والذوق وضرورة العقل والقياس.
فإن أحدهم لا بد أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء؛ فيميز بين ما يأكل ويشرب وما لا يأكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية، ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائمًا فقد افترى وخالف ضرورة الحس، لكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغل عنه الإحساس ببعض الأمور. فإما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه؛ فهذا ممتنع، فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه، بل يرى في منامه ما يسوءه تارة، وما يسره أخرى.
يواصل شيخ الإسلام (15) - رحمه الله - رده على الذين يتعلقون بالقدر ويحتجون به على معارضة الشرع والأمر والنهي فيقول - رحمه الله: فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر ويعرض عن الأمر والنهي. والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] ، وقال في قصة يوسف: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] ، فالتقوى فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال الله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] ، فأمره مع الاستغفار بالصبر؛ فإن العباد لا بد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) (16) وقال: (إنه ليغان على قلبي. وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة) (17) ، وكان يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي. وإسرافي في أمري. وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر) (18)
وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه فاجتباه ربه فتاب عليه وهداه، وعن إبليس أبي الجن - لعنه الله - أنه أصر متعلقًا بالقدر فلعنه وأقصاه، فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه، ومن أشبه أباه فما ظلم، قال الله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ