وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب] ، ولهذا قرن الله سبحانه بين التوحيد والاستغفار في غير آية؛ كما قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] ، وقال تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] ، وقال تعالى: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [هود] ، وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم (19) وغيره: (يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار؛ فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) ، وقد ذكر سبحانه عن ذي النون أنه {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] ، قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] . قال - صلى الله عليه وسلم: (دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه) (20)
ثم بيّن الشيخ - رحمه الله - ما يجب على المسلم تجاه القدر والشرع. فقال: وجماع ذلك أنه لا بد له في الأمر من أصلين؛ ولا بد له في القدر من أصلين؛ ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به والعمل بذلك. ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه الحدود. ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال بالاستغفار؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا (21) وقد قال الله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] فقاموا بالليل وختموه بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قول الله تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر] . وفي"الصحيح"أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. اللهم اغفر لي) ؛ يتأول القرآن (22)
وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به. ويتوكل عليه ويدعوه ويرغب إليه ويستعيذ به، ويكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر. وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه، ومن هذا الباب: (احتجاج آدم وموسى لما قال: يا آدم أنت أبو البشر. خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته؛ لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه؛ فبكم وجدت مكتوبًا عليَّ من قبل أن أخلق: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ؟ قال: بكذا وكذا؛ فحج آدم موسى) (23) وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم من أجل الذنب؛ فإن آدم قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك. وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55] ، فمن راعى الأمر والقدر كما ذكر كان عابدًا لله مطيعًا له مستعينًا به متوكلًا عليه، من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع كقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] ، وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] ، وقوله: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق] ، فالعبادة لله والاستعانة به، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول عند الأضحية: (اللهم منك ولك) (24) ، فما لم يكن بالله لا يكون؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله فلا ينفع ولا يدوم.