جبريل: سل. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. ليس له إسناد معروف وهو باطل (9) بل الذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل (10) قال ابن عباس: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين: {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] ، وقد روي أن جبريل قال: هل لك من حاجة؟ قال: (أما إليك فلا) ، وقد ذكر هذا الإمام أحمد وغيره (11)
وأما سؤال الخليل لربه - عز وجل - فهذا مذكور في القرآن في غير موضع فكيف يقول"حسبي من سؤالي علمه بحالي" (12) ، والله بكل شيء عليم! وقد أمر العباد بأن يعبدوه ويتوكلوا عليه ويسألوه؛ لأنه سبحانه جعل هذه الأمور أسبابًا بما يرتبه عليها من إثابة العابدين وإجابة السائلين، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه؛ فعلمه بأن هذا محتاج أو هذا مذنب لا ينافي أن يأمر هذا بالتوبة والاستغفار، ويأمر هذا بالدعاء وغيره من الأسباب التي تُقضى بها حاجته، كما يأمر هذا بالعبادة والطاعة التي بها ينال كرامته.
ولكن العبد قد يكون مأمورًا في بعض الأوقات بما هو أفضل من الدعاء كما روي في الحديث: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) . وفي الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) ، قال الترمذي: حديث حسن غريب (13)
وأفضل العبادات البدنية الصلاة وفيها القراءة والذكر والدعاء، وكل واحد في موطنه مأمور به؛ ففي القيام بعد الاستفتاح يقرأ القرآن، وفي الركوع والسجود ينهى عن قراءة القرآن ويؤمر بالتسبيح والذكر. وفي آخرها يؤمر بالدعاء كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو في آخر الصلاة ويأمر بذلك (14) ، والدعاء في السجود حسن مأمور به، ويجوز الدعاء في القيام أيضًا وفي الركوع، وإن كان جنس القراءة والذكر أفضل. فالمقصود أن سؤال العبد لربه السؤال المشروع حسن مأمور به، ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - دعاء الخليل الذي ذكره الله في القرآن حيث دعا لنفسه ولذريته.
قال - رحمه الله - (15) : وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به، بخلاف سؤال أهل العلم فإن الله أمر بسؤال أهل العلم كما في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، وقال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] ، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] ، وهذا لأن العلم يجب بذله، فمن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة (16) وهو يزكو على التعليم ولا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل ولهذا يشبه المصباح، وكذلك من له عند غيره حق كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة لصاحبها أن يسألها ممن هي عنده، وكذلك مال الفيء وغيره من الأموال المشتركة التي يتولى قسمتها ولي الأمر، للرجل أن يطلب حقه منه، كما يطلب حقه من الوقف والميراث والوصية.
ومن هذا الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه، وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه، كما استطعم موسى والخضر أهل القرية. وكذلك الغريم له أن يطلب دينه ممن هو عليه، وكل من المتعاقدين له أن يسأل الآخر أداء حقه إليه فالبائع يسأل الثمن والمشتري يسأل المبيع. ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء: 1] ، ومن السؤال ما لا يكون مأمورًا به، والمسئول مأمور بإجابة