إلى الأسماء الإسلامية، وعامة ما سمى به النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله وعبد الرحمن، كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] ، فإن هذين الاسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى، وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، وكذلك أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد لله كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني، والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم، والمحسن والأحد والواحد والقادر والكريم، والملك والحق.
وقد ثبت في"صحيح مسلم"عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام. وأقبحها حرب ومرة) ، (49) وكان من شعار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحروب: يا بني عبد الرحمن (50) ! يا بني عبد الله! يا بني عبيد الله! كما قالوا ذلك يوم بدر وحنين والفتح والطائف فكان شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن. وشعار الخزرج: يا بني عبد الله. وشعار الأوس يا بني عبيد الله. انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -.
قال تلميذه الإمام ابن القيم - رحمه الله - (51) : لما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها. فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك والواقع يشهد بخلافه، بل للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح والخفة والثقل واللطافة والكثافة كما قيل:
وقلما أبصرت عيناك ذا لقب * * إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
وكان - صلى الله عليه وسلم - يستحب الاسم الحسن، إلى أن قال: ولمّا كان بين الأسماء والمسميات من الارتباط والتناسب والقرابة ما بين قوالب الأشياء وحقائقها، وما بين الأرواح والأجسام عَبَر العقلُ من كل منهما إلى الآخر، كما كان إياس بن معاوية وغيره يرى الشخص فيقول: ينبغي أن يكون اسمه كيت وكيت؛ فلا يكاد يخطئ. قال: ولما كان الاسم مقتضيًا لمسماه ومؤثرًا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله وعبد الرحمن، وكان إضافة العبودية إلى اسم الله واسم عبد الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما كالقاهر والقادر. فعبد الرحمن أحب إليه من عبد القادر، وعبد الله أحب إليه من عبد ربه؛ هذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة. ولما غلبت رحمته غضبه وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب، كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر.
إلى أن قال: ولما كان المُلْك الحقُّ لله وحده ولا مَلِك على الحقيقة سواه كان أخنعَ اسم (52) وأوضعه عند الله وأغضبه له اسم: (شاهان شاه) ؛ أي: ملك الملوك وسلطان السلاطين؛ فإن ذلك ليس لأحد غير الله فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل. وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا: قاضي القضاة. وقال: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي بالحق وهو خير الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون. ويلي هذا الاسم في الكراهة والقبح والكذب سيد الناس وسيد الكل وليس ذلك إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة كما قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) (53) ، فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: إنه سيد الناس وسيد الكل، كما لا يجوز أن يقول: أنا سيد ولد آدم.