فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 400

الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. قلت: بحدٍّ؟ قال: بحد لا يعلمه غيره. وهذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه من غير وجه، وهو أيضًا صحيح ثابت عن أحمد وإسحاق وغير واحد من الأئمة. وقال رجل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن قد خفْت الله من كثرة ما أدعو على الجهمية. قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء.

وقال جرير بن عبد الحميد: كلام الجهمية أوله شَهْدٌ وآخره سُم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله. رواه ابن أبي حاتم. وروى هو وغيره بأسانيد ثابتة عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله -عز وجل- كلم موسى بن عمران وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الله على العرش استوى على خلاف ما يَقرُّ في قلوب العامة فهو جهمي. وقال سعيد بن عامر الضبعي. وذُكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولًا من اليهود والنصارى، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس عليه شيء. وقال عبَّاد بن العوام الواسطي: كلَّمتُ بشرًا المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم ينتهى إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا. وهذا كثير في كلامهم.

وهكذا ذكر أهل الكلام الذين ينقلون مقالات الناس: مقالة أهل السنة وأهل الحديث، كما ذكره أبو حسن الأشعري في كتابه الذي صنفه في"اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين"؛ فذكر فيه أقوال الخوارج والروافض والمعتزلة والمرجئة وغيرهم. ثم قال:

وجملة قولهم الإقرار بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء من عند الله وبما رواه الثقات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يردون من ذلك شيئًا. إلى أن قال: وأن الله على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه] ، وأن له يدين بلا كف، كما قال تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، وأقروا أن لله علمًا كما قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] ، {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] ، وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة. وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله كما قال: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] . إلى أن قال:

ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له) ؛ كما جاء في الحديث. ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، وذكر أشياء كثيرة، إلى أن قال: فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب.

قال الأشعري أيضًا في مسألة الاستواء: قال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء، وأنه على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف، وأن له يدين بلا كف كما قال تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث (8) قال: وقالت المعتزلة من استوى على عرشه بمعنى استولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت