فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 400

والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت بالأمر بالصلاة إلى الكعبة، وصاروا يصلون إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ؛ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا، وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ.

ثم أراد الشيخ - رحمه الله - أن يجلي حكم هذه المسألة عند العلماء فقال: وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله؛ هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يثبت. وقيل: لا يثبت. وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ. والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وفي"الصحيحين"عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين) (32) ، فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه كم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرا.

وقال (33) - رحمه الله: وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع وخلف أهل الفجور ففيه نزاع مشهور، لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره؛ فإن كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية. فإذا الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه؛ فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة؛ ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى بخلاف من أظهر الكفر؛ فإذا كان داعية مُنع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته لما في ذلك من النهي عن المنكر لا من أجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته. فإذا كان لإنسان أن لا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة وجب ذلك، لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشرّ أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر؛ فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين؛ فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا، فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يصلي خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه، كالجمع والأعياد والجماعة إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة؛ فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر.

يرد شيخ الإسلام (34) على قوم من المشككين الذين يستولي عليهم الشك في دينهم وفي كل شيء بسبب جهلهم وتسلط الشيطان عليهم، قال - رحمه الله: أجمع المسلمون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن ذلك حق يجزم به المسلمون ويقطعون به ولا يرتابون. وكل ما علمه المسلم وجزم به فهو يقطع به، وإن كان الله قادرًا على تغييره، فالمسلم يقطع بما يراه ويسمعه، ويقطع بأن الله قادر ما يشاء، وإذا قال المسلم: أنا أقطع بذلك فليس مراده أن الله لا يقدر على تغييره، بل من قال: إن الله لا يقدر على مثل إماتة الخلق وإحيائهم من قبورهم، وعلى تسيير الجبال وتبديل الأرض غير الأرض؛ فإنه يستتاب وإلا قتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت