وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: 116] {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] ، {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 12] ؛ وصفوها فقالوا: نفس ذات علم وقدرة ورحمة ومشيئة ونحو ذلك، ثم حذفوا الموصوف وعرفوا الصفة فقالوا: الذات. وهي كلمة مولدة ليست قديمة، وقد وجدت في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن بمعنى آخر، مثل قول خبيب الذي في"صحيح البخاري" (41) :
وذاك في ذات الإله وإن يشأ * * يبارك على أوصال شلو ممزع
وفي الصحيح (42) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله) .
وعن أبي ذر:"كلنا أحمق في ذات الله".
وفي قول بعضهم: أُصبنا في ذات الله. والمعنى في جهة الله وناحيته؛ أي: لأجل الله ولابتغاء وجهه؛ ليس المراد بذلك النفس، ونحوه في القرآن: {فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] ، وقوله: {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119] ؛ أي: عليم بالخواطر ونحوها التي هي صاحبة الصدور.
فاسم الذات في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والعربية المحضة بهذا المعنى، ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على النفس بالاعتبار الذي تقدم فإنها صاحبة الصفات، فإذا قالوا: الذات، فقد قالوا: التي لها الصفات.
وقد روي في حديث مرفوع وغير مرفوع: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله) (43) ، فإن كان هذا اللفظ أو نظيره ثابتًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ فقد وجد في كلامهم إطلاق اسم الذات على النفس كما يطلقه المتأخرون.
إلى أن قال: فإذا ثبت أنه قائم بنفسه ليس هو من جنس سائر الأجسام والأرواح فكذلك ما يستحقه بنفسه من الصفات ليس هو من جنس ما يستحقه سائر الأشياء، فإذا قدّر أن جوهرًا قام به عرض محدث دل على حدوث الجوهر؛ لم يُستلزم ذلك في كل ما قام بغيره أن يكون عرضًا، إلا إذا استلزم أن يكون كل ما قام بنفسه جوهرًا.
كتب الشيخ - رحمه الله - رسالة تسمى"الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز" (44) وصدرها بقوله:"السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. السلام على جيرانه سكان المدينة طيبة؛ الأحياء والأموات من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته، إلى الشيخ الإمام العارف الناسك المقتدي الزاهد العابد، شمس الدين، كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه وآتاه رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علمًا، وجعله من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وخاصته المصطفين، ورزقه اتباع نبيه باطنًا وظاهرًا واللحاق به في الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه."
من أحمد بن تيمية. سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه وخيرته من بريته، النبي الأمي (محمد) وعلى آله وسلم تسليمًا، كتابي إليك، أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة إحسانًا ينيلك به