عالي الدرجات في خير وعافية عن نعمة من الله وخير وعافية شاملة لنا ولسائر إخواننا والحمد لله رب العالمين كثيرًا كما هو أهله. وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
إلى أن قال:
ونحن نسأل الله ونرجو منه أن يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلّغًا لدرجات قصر العمل عنها، وسبق في أم الكتاب أنها ستنال، وأن تكون الخيرة فيما اختاره الله لعباده المؤمنين. وقد علمنا من حيث العموم أن الله لا يقضي للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له، وأن النية وإن كانت متشوقة إلى أمر حجز عنه المرض فإن الخيرة - إن شاء الله - فيما أراده الله، والله تعالى يخير لكم في جميع الأمور خيرة تحصّل لكم رضوان الله في خير وعافية. وما تشتكي من مصيبة في القلب والدين نسأل الله أن يتولاكم بحسن رعايته توليًا لا يكلكم فيه إلى أحد من المخلوقين، ويصلح لكم شأنكم كله صلاحًا يكون بدؤه منه وإتمامه عليه، ويحقق لكم مقام: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. مع أنا نرجو أن تكون رؤية التقصير وشهادة التأخير من نعمة الله على عبده المؤمن التي يستوجب بها التقديم ويتم له بها النعمة، ويُكفى بها مؤنة شيطانه المزين له سوء عمله، ومؤنة نفسه التي تحب أن تحمد بما لم تفعل وتفرح بما أتت، وقد قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 57 - 60] .
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه) (45) ، وفي الأثر أظنه عن عمر بن الخطاب أو عن ابن مسعود: من قال: إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال: إنه في الجنة فهو في النار. وقال: والذي لا إله إلا غيره ما أَمِن أحد على إيمان يسلبه عند الموت إلا يسلبه. وقال أبو العالية: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه، وقال الصديق - رضى الله عنه: إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء؟ يعني وهو منهم، وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها فيقول القائل: لست من هؤلاء؟ يعني وهو منهم. هذا الكلام أو قريبًا منه (46)
فليبرد القلب من وهج حرارة هذه الشهادة، إنها سبيل مهيع لعباد الله الذين أطبق شهداء الله في أرضه أنهم كانوا من الله بالمكانة العالية، مع أن الازدياد من مثل هذه الشهادة هو النافع في الأمر الغالب ما لم يفضِ إلى تسخط للمقدور أو يأس من روح الله أو فتور عن الرجاء، والله تعالى يتولاكم بولاية منه ولا يكلكم إلى أحد غيره.
ثم شرع الشيخ يبين القول الصواب في الحقيقة والمجاز فقال: قال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة قلنا كما قال الشافعي - رضى الله عنه: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين. فقلت له: أما ما قاله الشافعي فإنه حق يجب على كل مسلم أن يعتقده، ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة. وأما إذا بحث الإنسان وفحص وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلًا، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرًا وباطنًا.