فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 400

أفلا يعلم من له أدنى عقل ودين أن هؤلاء أحق بالصدق والعلم والإيمان والتحقيق ممن يخالفهم؟ وأن عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع وأن الذي عندهم هو الحق المبين، وأن الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذي معه من الحشو ما معه.

وهذا باب يطول شرحه؛ فإن النفوس لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصره إلا ذو الجلال، والأقوال إخبارات وإنشاءات كالأمر والنهي. فأحسن الحديث وأصدقه كتاب الله وخبره أصدق الخبر، وبيانه أوضح البيان وأمره أحكم الأمر. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية] . وكل من اتبع كلامًا أو حديثًا مما يقال إنه يلهمه صاحبه ويوحي إليه، أو أنه ينشئه ويُحْدثه مما يعارض به القرآن، فهو من أعظم الظالمين ظلمًا.

يواصل الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله - بيان طريقة الضالين الذين يلقبون أهل الحق بالحشوية، وأنهم أولى الناس بهذا اللقب المذموم، فيقول (15) - رحمه الله: ولهذا لما ذكر الله سبحانه قول الذين ما قدروا الله حق قدره، حيث أنكروا الإنزال على البشر ذكر المتشبهين به"أي بالنبي"المدعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة، فإن المماثل له: إما أن يقول: إن الله أوحى إلي. أو يقول: أوحي إلي وألقي إلي وقيل لي، ولا يسمي القائل، أو يضيف ذلك إلى نفسه ويذكر أنه هو المنشئ له، ووجه الحصر: إما أن يذكر الفاعل أو يحذفه، وإذا ذكره فإما أن يجعله من قول الله أو من قول نفسه؛ فإنه إذا جعله من كلام الشياطين لم يقبل منه. وما جعله في كلام الملائكة فهو داخل فيما يضيفه إلى الله وفيما حذف فاعله، فقال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ} [الأنعام: 93] ، وتدبر كيف جعل الأوَّلين في حيز الذي جعله وحيًا من الله ولم يسم الموحي، فإنهما جنس واحد في ادعاء جنس الإنباء، وجعل الآخر في حيز الذي ادعى أن يأتي بمثله، ولهذا قال: {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21] ، ثم قال: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ} [الأنعام: 93] ، فالمفتري للكذب والقائل: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء؛ من جملة الاسم الأول، وقد قرن به الاسم الآخر. فهؤلاء الثلاثة المدعون لشبه النبوة وقد تقدم قبلهم المكذب للنبوة؛ فهذا يعم جميع أصول الكفر التي هي تكذيب الرسل أو مضاهاتهم كمسيلمة الكذاب وأمثاله. وهذه هي أصول البدع التي نردها نحن في هذا المقام؛ لأن المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيرًا له من رأي أو كشف أو نحو ذلك.

ثم بيّن الشيخ - رحمه الله - أن هؤلاء الضالين وأشباههم هم أولى بوصف الحشوية من أهل السنة والجماعة، بل هم المستحقون لهذا الوصف لا أهل السنة، قال - رحمه الله: فقد تبين أن الذين يسمون هؤلاء وأئمتهم"أي أهل السنة"حشوية هم أحق بكل وصف مذموم يذكرونه، وأئمة هؤلاء أحق بكل علم نافع وتحقيق. فإن نبزهم بالحشوية إن كان لأنهم يروون الأحاديث بلا تمييز فالمخالفون لهم أعظم الناس قولًا لحشو الآراء والكلام الذي لا تعرف صحته بل يعلم بطلانه. وإن كان لأن فيهم عامةً لا يميزون، فما من فرقة من تلك الفرق إلا ومن أتباعها من هم من أجهل الخلق وأكفرهم. وأتباع هؤلاء"أي أهل السنة"هم عمار المساجد بالصلوات وأهل الذكر والدعوات وحجاج البيت العتيق والمجاهدون في سبيل الله وأهل الصدق والأمانة وكل خير في العالم، فقد تبين لك أنهم أحق الناس بوجوه الذم وأن هؤلاء أبعد عنها، وأن الواجب على الخلق أن يرجعوا إليهم فيما اختصهم الله به من الوراثة النبوية التي لا توجد إلا عندهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت