فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 400

الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة: 55] ، {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56] . وأيضًا فقد قال: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر] ، فذم الذين اتخذوا من دون الله شفعاء وأخبر أن لله الشفاعة جميعًا؛ فعلم أن الشفاعة منتفية عن غيره إذ لا يشفع أحد إلا بإذنه، وقد قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] ، ومما يوضح ذلك أنه نفى يومئذ الخلة بقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] ، ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة ونفعها المعروف كما ينفع الصديقُ الصديق في الدنيا، كما قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار] ، وقال: {لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر] ؛ لم ينف أن يكون في الآخرة خلة نافعة بإذنه فإنه قد قال: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف] الآيات. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين فيّ) (2) ويقول الله تعالى: (أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) (3) ؛ فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا ينفع أحد ولا يضر إلا بإذن الله، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله، ولا يستعان به من دون الله وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله ويتبرأ كل مدعو ممن دعاه، فلا يبقى من يدِّعي لنفسه معه شركًا في ربوبيته أو إلهيته ولا من يدّعي ذلك لغيره، بخلاف الدنيا فإنه وإن لم يكن رب ولا إله إلا هو فقد اتخذ غيره ربًا وإلهًا وادعى ذلك مدعون. وفي الدنيا يشفع الشافع عند غيره وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له في الشفاعة، ويكون خليله فيعينه ويفتدي نفسه من الشر، وقد نفى الله هذه الأقسام الثلاثة قال تعالى: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] .

هذه المسألة ساءت فيها أفهام كثير من الناس مما أدى ببعضهم إلى الكفر والضلال، فقد سئل شيخ الإسلام عن رجلين تناظرًا، فقال أحدهما: لا يد لنا من واسطة بيننا وبين الله؛ فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك!

فأجاب بقوله (4) : الحمد لله رب العالمين. إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق؛ فإن الخلق لا يعلمون ما يجبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته، وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله تعالى من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها، وأمثال ذلك؛ إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم إليه زلفى، ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة، وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم عن ربهم محجوبون ضالون، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف] ، وقال تعالى: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه] ، قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقال تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت