فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177] ، والتقوى هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه.
فكل من آمن بالله ورسوله واتقى الله فهو من أولياء الله، والله تعالى قد أوجب موالاة المؤمنين بعضهم لبعض وأوجب عليهم معاداة الكافرين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 51، 55] الآية، وهذا عام في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة سواء كان من أهل نسبة أو بلدة أو مذهب أو طريقة أو لم يكن، قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71] .
لما ذكر الشيخ (1) - رحمه الله - النصوص الدالة على وجوب تآخي المسلمين وتراحمهم وتعاطفهم وموالاة بعضهم لبعض قال بعد ذلك: فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى؟ وقد برأ الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم. وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله. وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من وافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله ويؤخر من أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله، وأن يكون المسلمون يدًا واحدة؛ فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره وقد يكون الصواب معه، وهو الموافق للكتاب والسنة؟
ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [البقرة: 286] ، وثبت في الصحيح أن الله قال: (قد فعلت) (2) ، لا سيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام مثل أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي أو منتسبًا إلى الشيخ عدي، ثم بعد هذا قد يخالف في شيء، وربما كان الصواب معه؛ فكيف يستحل عرضه ودمه أو ماله؛ مع ما قد ذكر الله تعالى من حقوق المسلم والمؤمن؟ وكيف يجوز التفريق